نشرت الوسائل الإعلامية خبراً عن ديوان المراقبة العامة بأنه سوف يقوم (بترسية عقد تنفيذ مشروع المنظومة الإلكترونية للرقابة "شامل" على إحدى شركات تقنية المعلومات).
ووفقاً لنظام "شامل الإلكتروني" فإن الإجراءات والأنظمة التي ستتم متابعتها ومراقبتها آليا هي: "النظام الأساسي واللوائح المالية والإدارية والهيكل التنظيمي وميزانية الجهة وتعليمات تنفيذها للسنة المالية محل الفحص وقرار الصلاحيات وكشوف الحسابات البنكية"، بالإضافة إلى مراقبة "أوامر اعتماد الصرف وملف البيانات الأساسية للموظفين وملف الرواتب لكل موظف وملف الحسميات، ملف المدفوعات الأخرى، ملف الترقيات، ملف الإجازات، ملف البنك، ملف التنقلات، ملف العهد، ملف السلف، الحساب الختامي..".
والسؤال المطروح هنا: هل سوف يسهم نظام شامل الإلكتروني في تطوير وتحسين منهجية الرقابة المالية؟ فحسب متابعتي للتجارب الدولية في هذا المجال خاصةً في الولايات المتحدة الأميركية الرائدة في الرقابة المالية، لا يوجد ربط آلي ما بين مكتب المسائلة الحكومية والجهات المشمولة برقابته!.
فمكتب المساءلة يقوم بتنفيذ غالبية مهامه الرقابية بشكل ميداني، وفي مجال تقنية المعلومات يقوم باستخدام أدوات إلكترونية كالأقراص المدمجة وشريحة الذاكرة للحصول على المعلومات والبيانات بشكل مباشر عن طريق المراقبين الميدانيين وفي سبيل التواصل مع الجهات محل الرقابة وكذلك المراقبين يتم عن طريق البريد الإلكتروني الآمن.. هذا من جانب.
ومن جانب آخر، يقوم المكتب بالمراجعة المهنية القائمة على معايير المراجعة المتعارف عليها، وتطبيق المفاهيم الحديثة في الرقابة المالية، مثل الأهمية النسبية ومنهجية تقييم المخاطر (Risk Based Approach)، وفحص أنظمة الرقابة الداخلية على تقنية المعلومات.
وعلى هذا الأساس فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الرقابة المالية بشكل عام هو تطوير وتحديث منهجية الرقابة التقليدية على الجهات الحكومية والتحول إلى الرقابة المهنية الحديثة، فبدون تطبيق المعايير المهنية ستكون هناك تقارير رقابية ضعيفة، وعدم بذل العناية المهنية اللازمة من قبل المراقبين، وسيكون العمل الرقابي على أساس الاجتهاد الشخصي، الأمر الذي يضعف الجهاز الرقابي ويفقد مصداقية تقاريره.
بالإضافة إلى ما سبق، فإن نظام شامل الإلكتروني لن يجدي نفعاً في ظل الرقابة التقليدية، كما أنه لن يغني عن الرقابة الميدانية، فلو أخذنا مراجعة الرواتب والأجور في ظل الأنظمة الآلية كمثال مبسط للتوضيح، ووجدنا أن موظف الرواتب له كامل الصلاحيات في إضافة اسم موظف، والتعديل على بيانات المرتبة والبدلات والإجازات، وعليه تنشأ مخاطر صرف رواتب لأشخاص غير مستحقين، أو إمكانية إضافة أسماء موظفين وهمية يتم عن طريقها اختلاس مبالغ الرواتب، وبالتالي يحتاج الأمر إلى أخذ عينات من ملفات الموظفين وإجراء اختبارات التحقق وهذا لن يتسنى إلا عن طريق الوقوف الميداني على إدارة الرواتب.
وعليه، هل يستطيع نظام شامل الإلكتروني التحقق من المخاطر الموجودة في المثال السابق؟ وبالطبع فإن الإجابة هي النفي، لأن المعلومات والبيانات سوف تكون مدخلة عن طريق موظف الرواتب، الذي سوف يحرص كل الحرص على المتطلبات الشكلية للأنظمة والتعليمات المالية والتي تهم الرقابة التقليدية في المقام الأول.
قد يعترض معترض هنا ويقول "في البداية سوف يتم التحقق من البيانات الموجودة في نظام شامل من خلال الربط والتحليل بين المستندات والملفات الموجودة في النظام بشكل استباقي، ومن ثم يمكن التأكد من صحتها من خلال المكاتب الميدانية للديوان في الجهات المشمولة برقابته"، وأقول: لماذا لا نختصر الوسائل والوقت ونوفر التكلفة وتتم المراجعة ميدانياً في محل الجهة الحكومية، ويكتفى بأخذ البيانات منها مباشرة عن طريق الوسائط الإلكترونية كما يفعل مكتب المساءلة الأميركي؟ وإذا كانت هناك مكاتب ميدانية للديوان فلماذا الربط الإلكتروني من الأساس؟.
تجدر الإشارة هنا إلى أن المعايير المهنية للمراجعة تمثل الإطار العام لكيفية اقتراح المهام الرقابية والتخطيط لها، وكيفية تنفيذها وإدارتها والإشراف عليها وكيفية كتابة تقاريرها، وبالتالي فإن من متطلبات تطبيق هذه المعايير هي وجود المراقبين بالجهة الحكومية محل الرقابة حتى يستطيعوا التخطيط المناسب لعملية الرقابة، وتقييم أنظمة الرقابة الداخلية لتحديد طبيعة ومدى وتوقيت الاختبارات والإجراءات الضرورية لتحقيق أهداف الرقابة، بالإضافة إلى الحصول على الأدلة التي تتسم بالقوة والكفاية لتعزيز النتائج الرقابية، ناهيك عن إمكانية مناقشة المختصين في الجهة وأخذ آرائهم حول الملاحظات المكتشفة وكيفية معالجتها، وبالتالي إنهاء العديد من الملاحظات الاستيفائية واستكمال الأوراق وعدم ضياع الوقت والجهد في المكاتبات والخطابات المتبادلة.
ولتطبيق معايير المراجعة فإن نظام ديوان المراقبة العامة الحالي يتيح له ذلك، حيث تنص المادة (7) من اللائحة التنفيذية للنظام الموافق عليها بالأمر السامي رقم 18835/3/ س وتاريخ 19/9/1392، على أن "يقرر رئيس الديوان مكان عمليات الفحص والمراجعة والتفتيش على حسابات الجهات الخاضعة لرقابة الديوان في مقر الديوان أو في مقار الجهات الخاضعة لرقابته حسب إمكانات الديوان وما تقتضيه المصلحة".
والمصلحة تقتضي الآن ممارسة العمل الرقابي على أسس علمية ومهنية، علماً بأن ديوان المراقبة سبق وأن أصدر معايير المراجعة الحكومية بقرار رئيس الديوان رقم 245 وتاريخ 11/1/1429، حيث جاء في "ثانياً" ما نصه "على جميع إدارات الديوان وفروعه المعنية بأعمال المراجعة المالية والرقابة على الأداء الالتزام بهذه المعايير في أداء أعمالها، واتخاذ الإجراءات التي تكفل التزام موظفيها بتلك المعايير عند تنفيذ مهام المراجعة وإعداد التقارير عنها"، وبناء على ذلك من الضروري وجود خطة واضحة تهدف إلى تطبيق هذه المعايير في جميع الأعمال الرقابية التي يمارسها الديوان، وإلزام الإدارات الرقابية بالعمل وفق ما جاء بالمعايير من إرشادات وتوجيهات، مع ضرورة تدريب المراقبين واختيار البرامج التدريبية الجيدة والمناسبة، التي تنظم عن طريق هيئات متقدمة والنظر في اقتراح الكادر المهني في المجال الرقابي.