أعرف أن هذا الخبر قد يكون سبب ضيقَ نفسٍ لكثير من أثريائنا ولسان حالهم وأفعالهم يقول: أموالي حصلت عليها وأنا الأولى بها طولاً وعرضاً، أما المجانين – في نظر بعضهم - فهم الأربعون مليارديراً أمريكياً الذين تناقلت الوكالات العالمية خبرهم بتعهدهم وعائلاتهم بمنح أكثر من نصف ثرواتهم لمنظمات خيرية في مبادرة إنسانية متكررة قادها قائد كتيبة مايكروسوفت بيل جيتس وكبير مستثمري الإعلانات ووارن بفيت مع مجموعة ضمت عدداً من الأثرياء التي وافقت على هذا التعهد لستة أسابيع فقط وأطلقوا عليها "تعهد العطاء" والذي فسر بمثابة التزام أخلاقي لا تنطبق عليه المواصفات القضائية للعقود، هدفت الحملة لإقناع أكبر عدد ممكن من كبار الأثرياء في الولايات المتحدة الأمريكية بعطاء أكثر من نصف ثرواتهم لجمعيات خيرية، فكانت الاستجابة مشجعة تناقلها الكثير من الأثرياء في دول العالم برسالة عظيمة ليلحقوا بركب إنساني نقي في زمن حالك أصم أعمى عن كل محتاج.

تلك المبادرة النادرة إحدى ركائزها التأكد بأن المساعدات ستصل إلى مستحقيها فعلاً، وهذا وحده يدفع ريبة الكثير من المتبرعين، الفكرة كانت أمريكية الصنع والتطبيق من قبل أغنياء أمريكا الذين نتغنى ونتفنن بشتمهم ليل نهار، وأحسب أن الحملة لم يكن القصد منها دعاية أو مباهاة أو مصلحة أو حتى إعلاناً في صحيفة أو مؤتمراً وعشاء فاخراً! أجزم أنهم ليسوا بحاجة لذلك أصلاً، وأنا هنا لست بمدافع عنهم ولست وكيلاً لأحد ولكنها الحصافة فقط التي تجعل صاحبها يعيش الطمأنينة.

ومن قلب الأمنيات في عصرنا المتسارع ومدنيته الزائفة المتغلغلة في النفوس التي جعلت العمل الخيري والمبادرة له دون هوية في مجتمعنا كم تمنينا أن تكون الفكرة من مجتمعنا الإسلامي لنصدرها للإنسانية وامتداداً نحو الأجيال القادمة، أو على الأقل ما دمنا نستورد كل شيء من الغرب فلم لم تستورد هذه الفكرة؟ فأثرياؤنا نجدهم في مقدمة تصنيفات أغنياء المنطقة والعالم، وديننا الحنيف يحثهم على الصدقة والزكاة والإحسان وأوجه الخير بثروة من قيم الإسلام العليا التي لا حدود لها من سد حاجة الفقراء والمحتاجين والأيتام والأرامل، فكم من رجل أو امرأة تعثرت بهم سبل الحياة وأعجزتهم عن سداد بضع مئات فقط من الريالات.. وما أكثر في بلدي المستحقين!

أثرياءنا.. هناك مبادرات (فردية)‏ لا ننكرها فهناك من أهل الخير من يدعم أعمال البر، ومنهم من يقف وراء جمعيات خيرية ومشاريع إنسانية لكنها أيضاً لا ترقى لتلك المبادرات، فأسفاً لم نجدكم داخل نطاق العمل الخيري الملموس وأعمال لم تتجاوز حدود أمنيات وكلام صوالين وصحف، فكم سمعنا أو شاهدنا من ينقطون أمام الملأ (بنقطة) واحدة في ليلة فرائحية تصب في خانة الـ5 أصفار لتمثل مصروف أرملة وأبنائها تكفيهم العيش 365 يوماً!

وكم من ثري يستعرض ثراءه في شراء أحدث الطائرات واليخوت وطواقم الضيافة من الحسناوات، وأساطيل السيارات الفارهة التي تجوب شوارع إدجوارد رود والشانزليزيه وجامعة الدول العربية والسوليدير.. جعلت منا فرجةً للعالم وأنموذجاً لآبار النفط الخاوية!

أثرياءنا .. الوطن ومحتاجوه أولى بكم، فبحسبةٍ بسيطة و بدائية لو حسبنا عددكم ومن تجاوزت حساباتهم الستة أصفار سنجد ناتج قسمة زكاتكم (المدفوعة) فقط في عامٍ واحد جاعلةً الفقر يئن ويولي هرباً من غير رجعة ولن تبقي فقيراً أو محتاجاً.

أثرياءنا وتجارنا .. حملة بيل جيتس ورفاقه كانت تخلياً عن نصف ثرواتهم وليس بالتبرع أو الزكاة أو الصدقة فقط، آمنوا فيها أن الإنسان لا يجب أن يأخذ فقط، بل تعلموا واكتشفوا أن أصل الحياة العطاء نحو الإنسانية، فليتها تكون عبرةً ودرساً نابهاً لفهم معنى المال والثروة وقيمتها في الحياة الفانية في شهرٍ كريم يبذل فيه العطاء، وتطهّر فيه النفوس من الجشع والبخل والأثرة والأنانية.

أثرياءنا.. وأنتم تفكرون كيف تضيفون كل يوم أصفاراً إلى حساباتكم البنكية وآلاف الأمتار إلى المساحات هنا وهناك، تذكروا أن قبوركم لن تزيد عن مترين مربعين وكلما زادت مساحات من يعتقدون أنه لا يُغمض لهم جفن فقد يزداد القبر ضيقاً ونكالاً فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء!