انفردت جريدة الوطن في أحد أعدادها وعلى صفحتها الأولى بتصريح لنائب رئيس هيئة مكافحة الفساد عبدالله العبدالقادر، بأن "نزاهة" تحارب الشبوك، والواقع أن مفردة "شبك. يشبك. شبكا" قد دخلت في المخيال الثقافي والاجتماعي السعودي، وصار لها دلالاتها المتعددة، وإيحاءاتها الظاهرة والباطنة، بل إنها تجاوزت سياقها اللغوي المحدد لتخلق لمعانيها أصلا وظلالا.. ووجها وقفا.. وسوادا.. وبياضا.. وخيرا وشرا.. وقد تم توظيفها على نحو ألبس كلمة "الشبك والتشبيك والشبوك" هالات قاتمة تعبر مباشرة عن الفساد وحجم انتشاره واستشرائه في المجتمع.
في محيط الدول التي تكون اللغة العربية هي وسيلة التعبير فيها تستخدم كلمة "شبك" في معاني كثيرة بحسب موقع المفردة من الجملة الكلامية، إذ يتم التعبير عن الاختلاف بين الأطراف المتناقشة "بالاشتباك" سواء العضلي أو الصوتي، كما أن الصيادين يستعينون "بالشبكة لصيد الهوامير"!، وعقد الزواج يقيد "بالشبكة"، وكانت لبنان تُصّدِرْ انفتاحها عبر مجلة "الشبكة" التي يتوسد غلافها كل أسبوع حسناء على قدر وافر من "الشخلعة".
وبالمقابل، فإننا في المملكة نسبنا كل تعقيد يطرأ وكل فساد يستشري لهذه الكلمة اللعوب، التي تبدل أحوالها ولها في كل حال لبوس، ولها في كل عرس قرص، فنحن مثلا "نشبك" نوافذ منازلنا بالحديد؛ كي نحول دون وصول الفاسد أو الحرامي إلى داخل بيوتنا، حتى لو احترقنا بفعل ماس كهربائي، فإن شبك النافذة يحرسنا من سلالم الدفاع المدني.
وصارت استخدامات "الشبك" "والشبوك" عندنا تعبر عن النهم والمطامع البشرية، بل إن "تشبيك الأصابع" ـ مثلا ـ يرقى إلى درجة النهي والكراهة فقهيا، ومعلوم أن كلمة "شبك" أثيرة ومتداولة عبر الكثير من اللهجات العربية المحكية، ففي اللهجة الدارجة الشامية تنطق هكذا "شوبيك" أي ما بك؟، وفي العامية النجدية يسألك أحدهم وأنت متلبس بالهم فجأة "وشبك" يعني ما بك؟، وبالمقابل فإن المفردة في اللهجة الحجازية تأخذ شكل الأمر رغم أنها مجرد سؤال على هذا النحو "إشبك"، وفي العامية العراقية تخفف المفردة بشيء يوحي بالدلالة السحرية هكذا "شبيك"، وهذه المفردة بهذا الإيقاع تشبه إلى حد كبير دعوة المارد الخارج من القمقم مقهقها وهو يقول: "شبيك لبيك".
وأخيرا، ليتنا هنا نحرر هذه المفردة المسكينة من حصرها وقصرها على معاني الفساد والنهب، ومنحها الفرصة لتنطلق إلى آفاق تعبيرية أوسع، كما هو حاصل لها في المجتمعات الأخرى؛ لأننا صرنا نحملها وزر السلب والنهب، فإذا "وشى بك" أحدهم فلا يعني ذلك ثبوتا قطعيا لوشايته، وإذا كنت بريئا أو "شابك" اتهام عابر، فلا تكترث فربما هو مجرد "اشتباك" في الأسماء وقد قال الشاعر: "يا شـبيك صويحـبي حـسبي علـيك".
وعليه عزيزي القارئ، فإن ضاقت عليك مدينتك بما رحبت "وتشابكت" في عقلك الهموم، وتاقت نفسك لشم النسيم، فإن وجدت أن الصحراء "مشبوكة" فلا تُسئ الظن أو تذهب بك الوساوس، فلربما أنها قد "شُبكت" للحيلولة دون العبث بها وربما أنها "محمية"، أو ربما أنه "شبك" لأرامكو لاحتمالات وجود نفط، أو لربما أن هذه الأرض تابعة لشركة "شابك" للصناعات الأساسية.
ولا تسألني بعد ذلك أين تقضي الإجازة؟.