حصر بيع سلعة ما أو تقديم خدمة ما، على تاجر واحد، هو نوع من الاحتكار البشع والجشع، المضر بالاقتصاد، ولذلك دخل ضمن المعاملات التجارية المنهي عنها والمحذر منها في الفقه الإسلامي. عندما تم الأخذ ببدعة الوكيل لدينا؛ كان ذلك اضطراراً، لكون مجتمعنا - حينها - بسيطا واقتصادنا بدائيا، ولذلك تم البحث عن وكيل ليكون واسطة بين الشركة المصنعة والمستهلك، من ناحية قطع الغيار وخدمة ما بعد البيع. اقتصادنا الآن متطور، حيث يعد من العشرين أكبر اقتصاد في العالم. إذاً فوجود الوكالات لدينا الآن هو دليل على عدم مواكبة تنظيماتنا وتشريعاتنا الإدارية الاقتصادية والتجارية، لقوة ومتانة اقتصادنا.

المجتمع الغني بإمكاناته التجارية والإدارية والتنظيمية والرقابية والواعي لحقوقه؛ ليس بحاجة لحصر بيع سلعة أو تقديم خدمة على تاجر بعينه. لكون مؤسسات الدولة فيه قادرة على سن القوانين وفرض الرقابة والحماية لحقوق المستهلكين ورعايتها.

وعليه فهي كفيلة بإلزام أي تاجر كائنا من كان، يعرض أي سلعة من توفير قطع الغيار والصيانة لها. المتضرر الأول والثاني والثالث من الاحتكار هو المواطن والرابع والخامس هما صغار التجار ومتوسطوهم واقتصاد الوطن بشكل عام. إذاً فوجود الوكالات بيننا الآن - يسومنا سوم العذاب، بدون حسيب أو رقيب - دليل على تغولها وتغلغلها في كواليس إدارة الاقتصاد الداخلي؛ وشل أي مشروع وطني حر لفتح الأسواق أمام الجميع، من ناحية البيع والشراء.

علق صاحب السمو الملكي الأمير مقرن بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وولي ولي العهد - حفظه الله ورعاه - على جشع البنوك لدينا، "بأنها كالمنشار تأكل في الطلوع وتأكل في النزول". وهذه لفتة كريمة من سموه ومن مسؤولي الدولة الكبار، كونهم يشعرون بما يشعر به المواطن العادي، من جشع وغبن يثقلان كاهله المسكين من قبل مؤسسات قطاعنا الاقتصادي الخاص. وأنا أقول للنبيل صاحب السمو الأمير مقرن، ولا تنسى يا سيدي الكريم بأن وكالات السيارات لدينا كذلك، كعجلات موت سياراتها، تمر من فوق بطوننا دهساً وهي تمشي للأمام، وتمر فوق ظهورنا دهساً وهي ترجع للخلف. تبيع علينا السيارات بأعلى الأسعار وبأقل المواصفات دولياً. وبعد ذلك تقطر علينا تقطيراً وبإذلال مهين وهي توفر قطع الغيار لنا وبأعلى الأسعار كذلك؛ ونقبل رؤوسهم كي لا يغضبون علينا ويحرموننا منها.

سيدي الكريم والنبيل مقرن بن عبدالعزيز، لكل مواطن قصة أو قصص لا تنتهي مع وكالات السيارات، قصص غبن وإهانة. أصبحنا لا نسأل عن ثمن ما سندفعه من قطع غيار أو إصلاح أو حتى خدمة ضمان ما بعد البيع. وأنا لي قصتي مع إحدى وكالات السيارات، وأطلب عذرك لأنني لن أستطيع ذكر اسمها؛ لكون الكل يخاف من ذكر اسم الوكالات. مع كوني سيدي النبيل أستطيع بأن أنقد أداء أي وزير بالاسم وأي عالم دين بالاسم وحتى أعلى رتبة عسكرية بالاسم. أي فقد أصبحت لدى وكالات السيارات حصانة لا يحلم بها أي وزير أو عالم دين أو قائد عسكري. نحن ككتاب نستطيع نقد أداء أي وزارة وحتى السيادية والدينية منها وبالاسم؛ ولكننا لا نستطيع بأن ننتقد بالاسم أداء وكالة تجارية خاصة وكالات السيارات.

مثلي مثل أي مواطن لي أكثر من معاناة مع وكالات السيارات؛ وكنت ألوم بذلك نفسي كوني عشت أربع عشرة سنة في الولايات المتحدة؛ "فخربت" على ثقافة "التطنيش" الاستهلاكية والخدمية. قبل مدة اشتريت سيارة من إحدى وكالات سياراتنا المشهورة؛ واكتشفت خللا مصنعيا فيها ولم أستطع التفاهم مع الوكالة، بالتي هي أحسن؛ وهددتهم بأنني سأرفع قضية ضدهم، ولسان حالهم يقول "اركب أكبر كفر في سيارتك، وأدهس ما تريد؛ فلن تطالنا بشيء". ذهبت للغرفة التجارية في الرياض؛ وسألت عن قسم حماية المستهلك، وسألني موظف هناك، وماذا أريد منها؛ فذكرت له قصتي مع السيارة، فقال لي أنصحك بألا ترفع شكوى ضد الوكالة؛ لأنك ستتعب وتضيع وقتا أثمن من إصلاح سيارتك أو حتى سيارتك كلها؛ ولن تخرج بنتيجة. لم أصدقه ولكن نصحني أكثر من واحد ومن موظفي الغرفة التجارية؛ فرجعت أتلمس الصفح من الوكالة؛ ورضخت لمطالبهم المادية وإهاناتهم المعنوية لي.

إنهم يبحثون عن أي شيء يحتجون به عن حرمان المواطن من ضمان الشركة المصنعة للسيارات؛ حتى ولو أتى ذلك من قبل تغيير الزيت أو إصلاح ضروري تضطر له من خارج الوكالة. ذكر لي ميكانيكي سعودي عمل في إحدى وكالات السيارات؛ بأن الوكالة كانت تتحجج بعدم اشتمال الضمان لخلل في السيارة، التي هي تحت الضمان بأي عذر. وبعد أن يضطر العميل لدفع كامل مبلغ الإصلاح من جيبه؛ ترفع الوكالة فواتير الإصلاح للشركة المصنعة ويأتيها دبل ما دفع لها المواطن. أي هكذا تتحرك عجلات سياراتهم للدهس حينما تمشي للأمام وحين ترجع للخلف.

قررت بأن أقاطع الوكالة التي باعت عليّ السيارة ذات الخلل المصنعي؛ الذي كل من فحصها من الميكانيكيين خارج الوكالة، ينصحني بالتخلص منها بأقرب فرصة. ولكن سوء حظي حدفني عليهم مرة ثانية، بعد أن طلب مني ابني بأن أشتري نوعا خاصا من السيارات لديهم، فرفضت، فألح عليّ؛ ورجاني فقط، بأن أذهب معه وأشاهدها وفعلت ذلك. وبعد إلحاح منه؛ تحدثت مع مدير المبيعات لدى الوكالة عن معاناتي السابقة معهم؛ فأخبرني بأنهم أحدثوا تحسينات جذرية على مستوى خدمات ما بعد البيع لديهم. وبأن الشركة المصنعة ألغت وكالات وحصرت بيع هذا النوع من السيارات عليهم فقط؛ لتحسن أداء خدماتهم.

اشتريت السيارة؛ وعندما خرجت بها من الوكالة وسافرت عليها؛ أحسست بخلل ما، في السيارة. توقفت ومن حسن حظي بأن كتلوج السيارة كان موجودا؛ وأستطيع القراءة جيداً باللغة الإنجليزية. فوجدت بأن السيارة تمشي على سرعة نمرة واحد واثنين؛ فقط. وعدلت من وضع برمجة محرك السرعة. ولما رجعت للوكالة قال لي موظف لديهم لا تخبرهم بذلك؛ فسوف يعدون أي خراب في السيارة من جراء إهمالك؛ وليس من جراء إهمالهم. وقبل أن تمشي سيارتي ثمانية آلاف، ارتطم جسم صلب بأسفل السيارة. أخذتها للوكالة وأمر تصليح من شركة التأمين. سيارتي لها الآن أكثر من أربعة أشهر لديهم لم يتم إصلاحها بحجة انتظار قطع الغيار المطلوبة، وقبلها لعدم تواصلهم مع شركة التأمين، وبرغم ذلك لم يخبروني بأي شيء. اشتكيت على مكاتب الشركة المصنعة في دبي؛ ولم يفيدوني بشيء، سواء الاعتذار لهم. أي حتى إن الشركة المصنعة أصبحت لا تهتم بسمعتها؛ بفضل انعدام المحاسبة الرسمية لا لها ولا لوكيلها في السعودية. الآن أنا أستعطفهم وأرجوهم إخراج سيارتي وسأدفع لهم ما تقصر به شركة التأمين، المهم أريد إخراج سيارتي من حجزهم الإجباري والتعسفي لها والمذل والمهين لي.

ولإنهاء معاناتنا نطالب بإلغاء الوكيل الحصري للسيارات فوراً، واستبداله بأكثر من موزع في كل مدينة. وحتى لو منح حق البيع للنوع نفسه من السيارة لستة موزعين في طريق خريص وحده؛ لتكون المنافسة بينهم شريفة من ناحية سعر البيع وخدمات ما بعد البيع.