حين يلتئم شمل "أصدقاء اليمن" في لندن اليوم الثلاثاء (29 أبريل 2014)، سيكررون الإعلان عن دعمهم لجهود اليمن في تجاوز الفترة الانتقالية، سياسياً وأمنياً واقتصادياً. ولكنني أتوقع أن يكون السؤال الأول في ذهن كثير من اليمنيين: هل ستتحق الوعود قريباً هذه المرة؟ ولذلك يجب ألا يقتصر المؤتمر على الوعود والخطب، بل يتخذ خطوات عملية ملموسة.

فمع كثرة المؤتمرات التي خُصصت لليمن مؤخراً، ما زال اليمنيون يتطلعون إلى تحقيق ما تمخضت عنه على أرض الواقع، في استتباب الأمن، وانتعاش الاقتصاد، والاستقرار السياسي. وهي عقبات ثلاث مرتبطة ارتباطاً عضوياً، من الصعب حلها منفردة.

واليمن اليوم أفضل مما كان عليه منذ ثلاثة أعوام، حينما كانت قوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح تحاول القضاء على مناوئيه مهما كلف الثمن، وسقط جراء ذلك شباب كثيرون بين قتيل وجريح.

ومنذ تلك الأيام الحالكة، نجحت المبادرة الخليجية في إنهاء المواجهات بين صالح ومعارضيه، وتنازل الرئيس السابق عن السلطة في نوفمبر 2011. وتعزيزاً للمبادرة صدرت قرارات مجلس الأمن التي أسهمت في خلق جو مكّن اليمنَ من عقد مؤتمر الحوار الوطني الذي نتج عنها توافق حول قضايا الحكم والسياسة، مثل تأسيس حكم اتحادي "فدرالي" مكون من ستة أقاليم ذات صلاحيات واسعة، وإعداد دستور جديد، والتحضير لانتخابات رئاسية وبرلمانية تجسّد إرادة اليمنيين وتطلعاتهم.

ويقول اليمنيون إنهم يتوجّسون من مفسدي هذا التوافق، مثل القاعدة، والحوثيين، والإنفصاليين الذين تبنوا العنف وسيلة لتحقيق مطالبهم، بالإضافة إلى أنصار الرئيس السابق وغيرهم. وربما سعوا إلى إفشال هذه المصالحة التاريخية، كما رأينا في احتلال الحوثيين المناطق القريبة من العاصمة مؤخرا. ومع تحقيق إنجازات في الملف الأمني، خاصة داخل المدن، إلا أن تلك المجموعات ما تزال تمثل تهديداً يُسهم في إحباط جهود الحكومة لتحقيق الأمن وحكم القانون في جميع أنحاء اليمن.

وفي المسار الاقتصادي، انطلقت مع المبادرة الخليجية حزمة حوافز مالية حصنت الاقتصاد اليمني من الانهيار الكامل، وساعدت على استقرار سعر صرف الريال اليمني مع العملات الأجنبية، وقد تحقق ذلك بالدرجة الأولى من خلال وديعة المليار دولار التي أودعتها المملكة العربية السعودية في البنك المركزي اليمني، بالإضافة إلى المساعدات العينية والمالية التي بدأت في الوصول لليمن، ببطء، مما ساعد على وقف انهيار الاقتصاد اليمني الذي تسببت فيه أزمة عامي 2011-2012.

ولكن تعافي الاقتصاد اليمني بالكامل ما زال حلماً، لأنه يدور في حلقة مفرغة. فالتحديات الأمنية وتأخر تنفيذ الإصلاحات يحدان من جاذبية اليمن للمستثمرين، ومن نمو الاقتصاد. ويعني ضعف النمو الاقتصادي انخفاض دخل الحكومة من الضرائب، وفي الوقت الذي ينخفض فيه تصدير النفط والغاز بسبب الأوضاع الأمنية، تستمر الحكومة في تقديم إعانات الوقود دون ضوابط، مما يُفاقم عجز الميزانية العامة، ويحد من قدرتها على الإنفاق بما يكفي لاستتباب الأمن، وتحفيز النشاط الاقتصادي.

وكانت مجموعة أصدقاء اليمن قد انطلقت في يناير 2010، أي قبل "الربيع العربي" والحراك الشعبي اليمني الذي بدأ في 2011. وتضم في عضويتها نحو "40" دولة ومنظمة تؤكد حرصها على تمكين اليمن من تحقيق الأمن والاستقرار والرخاء والازدهار لمواطنيه. وترأس المجموعة رئاسة ثلاثية مشتركة "المملكة العربية السعودية واليمن وبريطانيا"، وتتمتع بدعم قوي من مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة، بالإضافة إلى عشرات من الدول والمنظمات تشكل في مجموعها "أصدقاء اليمن".

وعلى جدول أعمال اجتماع لندن هذا الأسبوع مناقشة التقدم المُحرَز في البرنامج الانتقالي الذي سبق عرضه على مؤتمر المانحين بالرياض في سبتمبر 2012، ومقترح بإعادة هيكلة المجموعة بما يتلاءم مع احتياجات الفترة الحالية، بعد نجاح مؤتمر الحوار والبدء في استعدادات المرحلة القادمة، أي مرحلة إعداد الدستور الجديد وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وفي المجال الأمني، سيناقش أصدقاء اليمن كيف يمكن مساعدة اليمن على مواجهة التحديات الأمنية العديدة التي أشرتُ إليها.

أما في المجال الاقتصادي، فالتحدي الحقيقي يكمن في تسريع صرف المساعدات التي سبق التعهد بها في مؤتمرات المانحين، ثم التحقق من فعاليتها.

ولا شك أن التحديات التي تواجه اليمن معقدة، ولكن حلها ليس مستحيلاً؛ لأن القرارات الصعبة قد اتخذت بالفعل. فقد عبر أصدقاء اليمن الأربعون مراراً عن دعمهم السياسي لليمن، وسيكررون ذلك في لندن هذا الأسبوع. وفي الوقت نفسه، عززوا هذا الدعم بتعهدات مالية ضخمة قُدمت في مؤتمرات المانحين المختلفة. فمنذ عام 2006، تعهّد أصدقاء اليمن بأكثر من 15 مليار دولار، بالإضافة إلى المساعدات الإنسانية والأمنية، وهي مستويات غير مسبوقة. ويأتي ثلثا المساعدات التنموية من دول مجلس التعاون خاصة المملكة العربية السعودية.

ولكن معظم تلك التعهدات المالية لم تُصرف حتى الآن، على الرغم من حاجة اليمن الملحة إليها، ومرور سنوات عديدة على اعتمادها، والأسباب عديدة لهذا التأخر، منها المشاكل الأمنية التي تؤثر على وجه الخصوص على مشاريع البنية التحتية، ومنها طول الإجراءات الدستورية، حيث تتطلب بعض المشاريع موافقة البرلمان عليها، ولكن معظم الأسباب يكمن في عدم تمكن اليمن أحياناً من إقناع الجهات المانحة بكفاية الإجراءات الإدارية والمالية والفنية التي يقوم بها، مما يعني تأخر بدء المشاريع، أو بطء تنفيذها. وقد أنشأ اليمن في ديسمبر 2013 "الجهاز التنفيذي لتسريع استيعاب المساعدات"، وهو مؤسسة جديدة يمكن أن تسهم في سد الفجوة بين قدرات اليمن واشتراطات المانحين، إذا ركز اهتمامه على المهام التي لم تستطع الآليات الحالية القيام بها، وتم توفير الموارد اللازمة لهذا الدور.

ولذلك فإن أمام مؤتمر لندن فرصة تاريخية لحل الإشكال عن طريق الاتفاق على آلية تُرضي الجانبين وتجعل من الممكن ترجمة التعهدات المالية وبيانات الدعم السياسي إلى حقائق ملموسة يحس بها المواطن اليمني وتعود بالنفع عليه. أما إذا فاتت هذه الفرصة فإن اقتصاد اليمن، وأمنه واستقراره، مهددة مرة أخرى كما كانت منذ سنتين.