انتهت المقالة السابقة بالحديث عن تجربة بينجامين ليبيت والتحدي الذي مثلته لدعوى حرية الإرادة. تقول نتائج البحث باختصار أنه إذا كانت القرارات تتم في الدماغ قبل أن يعي بها صاحبها فإنه لا معنى للقول بأن هذه القرارات تمت بناء على تفكير وتأمل وبالتالي اختيار. بهذا المعنى تكون حرية الإرادة أقرب للوهم منها للحقيقة. ولكن إذا كانت القرارات تمت في اللاوعي فهل يعني هذا أن هذه القرارات عشوائية أو تمت خارج أي قانون. لا يوافق أغلب الحتميين على ذلك بل يقولون بوجود قانون يحكم هذه القرارات وإن كان خارج وعي الإنسان. الصورة الحتمية كالتالي: الكون محكوم بقوانين الطبيعة، قوانين الفيزياء والكيمياء تربط الأحداث مع بعضها على شكل سبب ونتيجة. هذه الصورة يمكن أن تعبّر عما تعرف بالحتمية السببية، وهي المقولة التي تقول إن كل ما يجري في الطبيعة ومن ضمنها الإنسان لا بد أن يندرج ضمن سلسلة ممتدة من العلاقات السببية. هذه الصورة لا تنفي بالضرورة أن يكون الإنسان نفسه سببا ضمن هذه السلسلة، ولكن ما تنفيه هو أن يكون سببا لا يرتبط بأي علاقة سببية سابقة عليه. أي أن هذه الصورة ترفض مشهد الإنسان الذي يعمل كسبب لا مسبب له. هناك من يرفع معايير الحرية عاليا لتكون خالية من أي تأثير مسبق. أي أن القرار الحر يفترض ألا يكون مرتبطا بمؤثرات سببية سابقة عليه. بمعنى آخر يطالب دعاة هذه الصورة أن الحرية تعني أن ينشئ الإنسان علاقة سببية لم تكن لها مقدمات. هنا نأتي لصورة السبب غير المُسَبّب والتي ترفضها بشدة الحتمية بعمومها والحتمية السببية بشكل خاص.
ذكرنا في المقالة السابقة كذلك أن هناك مذهبا فلسفيا يرى أن الحتمية تعني استحالة وجود حرية إرادة. هذا المذهب يتكون من فريقين متناقضين الأول يرى أن الحتمية حقيقة وبالتالي فحرية الإرادة وهم. في المقابل يرى الفريق الثاني العكس: أي أن حرية الإرادة واقع حقيقي وبالتالي فإن الحتمية لا بد أن تكون غير صحيحة. هذا المقال معني بالفريق الأول. هناك عدة محاجّات لدعم هذا الموقف أول هذه المحاججات ما يعرف بحجة الأداة. تقول هذه المحاججة إن الأدوات التي نستعملها لا تتصرف بحرية وبالتالي فإنها لا تتحمل أي مسؤولية أخلاقية. في المقابل إذا كانت الحتمية صحيحة فإنه لا فرق في الصورة النهائية بين الإنسان والأداة، وبالتالي فإنه لا معنى للحديث عن حرية إرادة أو مسؤولية أخلاقية في هذه الصورة. نلاحظ هنا أن هذه المحاججة تفترض أن وجود الفرد داخل علاقة سببية يعني مباشرة تحوله إلى أداة تتحقق من خلالها القوانين. هذه دعوى حولها تساؤلات كبرى تجادل في أن هذا الاستنتاج غير ضروري باعتبار أننا يمكن أن تصور الإنسان داخل علاقة سببية ولكنه في ذلك الوقت لديه القدرة على أن يشارك في تحديد مجرى الأمور كقوة سببية ضمن قوى أخرى.
محاججة أخرى تدعم القول باستحالة اجتماع الحتمية وحرية الإرادة وتم استخدامها في المرافعات القضائية هي محاججة "لم أصنع نفسي إذن أنا غير مسؤول"، تقوم هذه المحاججة على الدعاوى التالية: المتهم مسؤول عن تصرفاته في حالة كان هو من قام بصنع نفسه وباعتبار أن موكلي لم يصنع نفسه إذن هو غير مسؤول عن تصرفاته. هذه المحاججة تبدو ساذجة من الوهلة الأولى ولكن لها أبعاد مهمة. على سبيل المثال غالبية الناس تخفف من أحكامها الأخلاقية على الآخرين بناء على الظروف التي يمر بها أولئك أي بناء على العوامل التي لا إرادة لهم بها. مثلا حين نعلم أن المتهم بالسرقة قد فقد أمه مبكرا وأن أبيه كان يعذبه باستمرار أو يعتدي عليه جنسيا وأنه عاش فقيرا واضطر للسرقة فإن أحكامنا الأخلاقية تنخفض جدا لدرجة أن البعض قد يجادل أنه بريء وليس مجرما. الذي نفعله هنا هو أننا نقول إن هذا الإنسان لا يتحمل المسؤولية الأخلاقية لفعل السرقة بسبب الظروف الخارجة عن إرادته، وكأننا نقول إنه لم تكن بيده الحرية في أن يمتنع عن السرقة. لو أخذنا هذا المنطق لنهايته وتذكرنا أن الإنسان يولد بتركيبة جينية لم يكن له الخيار فيها كما ولد في بيئة اجتماعية لم يخترها فإن محاججة المحامي تبدو معقولة جدا. رغم كل هذا فإن المحاججة السابقة يمكن الاعتراض عليها من عدة وجوه منها الاعتراض على المقدمة الثانية أي أن المتهم لم يصنع نفسه. الاعتراض يقول إن الإنسان لديه القدرة على صنع شخصيته وطبيعة سلوكه. قد تكون هذه النسبة محدودة لكنها موجودة ويمكن اعتبارها أساسا لحرية الإرادة وبالتالي للمسؤولية الأخلاقية.
الإنسان على مدار حياته أمام فرص للاختيار وتغيير مجرى الأمور. هذه حقيقة تاريخية على الأقل. نحن نعرف في التاريخ أفرادا عاشوا في ظروف صعبة تدفع باتجاه معين، ولكن الأفراد اتخذوا قرارات معينة في حياتهم أدت بهم إلى مسارات مغايرة لما كان متوقعا منهم. في المقابل قد يعود الحتمي ليقول إن هؤلاء الذين خرجوا على ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية قد توافرت لهم ظروف جينية ونفسية أعطتهم القدرة على التفاؤل وتجاوز الإحباط والانطلاق للتغيير. آخرون قد يولدون بنقص حاد في هذه الإمكانات، وبالتالي نصبح أمام قضايا مختلفة لا نستطيع تطبيق حكمنا على أحدها أو على الآخر.
هذا الجدل قد يعيدنا أصلا إلى مفهوم قوانين الطبيعة ومعنى أن تكون حتمية خصوصا مع التطورات الأخيرة في المباحث الفيزيائية، التي تعطي صورة احتمالية أكثر من حتمية للعلاقات السببية. مفهوم السببية هنا جوهري لأنه باختصار هو ما يعطينا القدرة على تصور ربط الأحداث ببعضها، وبالتالي المساحة التي يمكن للإنسان فيها التأثير على مجرى الأمور. لعل هذا يكون موضوع حديثنا المقبل.