في ظل زحمة وسرعة دورة العمل الصحفي منذ أن تكون المادة الصحفية هجيناً ولم تتولد بعد بصورتها النهائية حتى تخرج مطبوعة ساخنة في يد القارئ فإن هذه المادة تعترضها لجة من العقبات ويتمخض عنها بعض الأخطاء البشرية العفوية التي تثير حنق البعض وضحك البعض الآخر.
وكنت ذكرت في مقال سابق بعنوان "المباحث: امرح عندنا الليلة" الخطأ العفوي الذي بسببه تم التحقيق مع زميلنا مدير التحرير في معقل المباحث.
وهكذا فإن الأخطاء المطبعية الصحفية ستستمر ما بقي البشر خلف لوحة المفاتيح "الكيبورد"، محملين بهمومهم الشخصية، وستبقى هذه الأخطاء في الصحف الورقية ولن تندثر في حال اندثرت وآلت السطوة للصحف الإلكترونية.
وسأورد هنا بعض الأخطاء المطبعية الشهيرة وأخرى عايشتها بنفسي خلال عملي في مجلة اليمامة.
فقد أوردت صحيفة يمنية قبل سنوات خبراً على صفحتها الأولى بعنوان: "انقلاب عسكري يمني" وقد أزعج هذا الخبر دوائر القرار في العواصم العربية، لكن سرعان ما اتضح أن مضمون الخبر يشير إلى أن أحد العسكر انقلب بدراجته النارية وهو متجه إلى دائرة عمله مما نتج عنه بعض الرضوض والكسور البسيطة لدى هذا الضابط.
أيضاً من أكثر الأخطاء الصحفية طرافة وشناعة ما حدث في إحدى الصحف المصرية، حيث وصل إلى محرر صفحة الوفيات خبر لوفاة أحد الوجهاء، لكن بعد أن تم إخراج الصفحة وإعدادها للنشر ما كان من محرر الصفحة إلا أن كتب على هامش الخبر المرفق العبارة التالية: "إن وجد له مكان"، وهي إشارة من المحرر لمخرج الصفحة أن ينشر الخبر المرفق، إن تمكن من إيجاد حيز لهذا الخبر في الصفحة المخرجة، وبالفعل فقد نشر الخبر لكن "الصفيف" كتب الخبر على هذا النحو: "انتقل فلان الفلاني إلى رحمة الله يوم أمس الأربعاء، أسكنه الله فسيح جناته، إن وجد له مكان!".
كذلك نشرت إحدى الصحف الخليجية خبراً عن عودة وزير الصحة من جولة على بعض المراكز والمستشفيات الأوروبية، وقد جاء العنوان في صدر الصفحة الأولى هكذا: "عورة حميدة لوزير الصحة!".
لكن المحزن أن تقوم منظمة خيرية بالدعوة للتبرع في إعلان عريض على هذا النحو: "نتلقى إهاناتكم على الحساب رقم ..."، والمقصود "إعاناتكم".
وهكذا فهناك العديد من الأخطاء المطبعية الصحفية الطريفة، التي كان الزميل الأستاذ منذر الأسعد أبرز من جمع شتاتها في كتاب وكان الأسعد ينشرها في زاويته نصف الحقيقة الآخر في مجلة اليمامة.
ومع تعدد الأخطاء التي تنشر بعفوية في الصحف إلا أن ما يتم تداركه وعدم نشره أكثر، وسأذكر لكم هذه الواقعة التي عايشتها خلال عملي في مجلة اليمامة، حيث أجريت حواراً صحفياً مع المعالجة الشعبية "بتلا بنت دليم"، وكان قد ذاع صيتها في العلاج الشعبي ذلك الحين، مما حدا بي لتقصي الأمر وزيارتها في مقرها الذي كان مكتظاً بطالبات العلاج من كافة الأعمار ولكافة الأمراض!
وبعد إعداد الحوار قمت بتسليمه للقسم الفني لصفه وإخراجه وكان العنوان الرئيس يبدأ هكذا: "بتلا بنت دليم لليمامة"... وقد جاءني "ماكيت" الصفحة للتأشير عليها بالموافقة لتصويرها ومنتجتها وطباعتها لكنني اكتشفت أن مخرج الصفحة زميل من لبنان قد وضع العنوان هكذا: "بتلانيت وليم لليمامة"، وهكذا بدلاً من أن تكون الطبيبة الشعبية من وادي الدواسر ظهرت في العنوان كما لو أنها طبيبة أجنبية من استوكهولم، لولا أن صورتها بالعباية السوداء كانت مبطوحة بشكل بارز وبالألوان على صفحتين متقابلتين.
أما أكبر وأخطر الأخطاء الصحفية فهي ما يمكن أن يروى على هذا النحو: في كل مطبوعة يوجد محرر صياغة وهو على قدر من البراعة والقدرة اللغوية، التي يتمكن من خلالها من تحويل المواد الصحفية الهجين أو المكتوبة بلغة ركيكة إلى مادة صحفية مقروءة وبلغة جيدة، ومعلوم أن دور محرر الصياغة هو تعديل وتقويم المواد الصحفية الضعيفة، إضافة إلى إكساب مواد المطبوعة التي تمر من خلاله، حالة من الانسجام والروح الواحدة.
وفي مجلة اليمامة كان يتولى "دسك" الصياغة أستاذ لا يشق له غبار وهو الأستاذ محمد بركات من مصر الشقيقة، وحدث أن تم تكليف الزملاء في مناطق المملكة بإجراء حوارات مع بعض أمراء المناطق وقد تتابع وصول هذه الحوارات وتم تسليمها جميعها للزميل بركات ليضع لها المقدمات ويختار منها أبرز العناوين وكانت الحوارات مع أصحاب السمو الأمراء سطام بن عبدالعزيز وعبدالمجيد بن عبدالعزيز – رحمهما الله – وممدوح بن عبدالعزيز وعبدالإله بن عبدالعزيز، كما اجتهد محررنا في مدينة رابغ وأجرى حواراً مع أميرها في ذلك الحين، المهم أن الأستاذ بركات جاءني في مكتبي ويداه فائضتان برزمة من الأوراق لمجموعة الحوارات مع نائب أمير الرياض وأمير المدينة المنورة وأمير منطقة تبوك وأمير منطقة القصيم وأمير مدينة رابغ، لكن الطرافة تكمن في التفاصيل التي كانت تشير إلى عدم إحاطة الزميل محمد بركات ببعض المعلومات المحلية.
والخلاصة أن الأستاذ بركات قد وضع على رأس الصفحة الأولى من أوراق كل مقابلة الأسماء على هذا الترتيب:
سطام بن عبدالعزيز لليمامة:
عبدالمجيد بن عبدالعزيز لليمامة:
عبدالإله بن عبدالعزيز لليمامة:
رابغ بن عبدالعزيز لليمامة:!
وبالطبع فقد ضحكت أنا والزملاء كثيراً على هذه الغلطة العفوية الشنيعة، وحمدنا الله كثيراً أن الرقابة ما قبل النشر موجودة، وأدركنا أن الرقابة رغم كل سوءاتها الواضحة.. الفاضحة إلا أن لها وجهاً مضيئاً يحمي ويحفظ من الزلات، وبالطبع فقد نبهنا الزميل بركات على هذه الغلطة التي كان للاستعجال في التنفيذ دور فيها، وكان مراسلنا في رابغ قد أرسل مادته الصحفية وكتبت على ظهر الورقة الأولى مقابلة أمير رابغ.. فلما تم تسليمها لبركات كان بدوره قد أنجز الحوارات الأخرى مع الأمير سطام والأمير عبدالمجيد والبقية، فما كان منه إلا أن ظن أن رابغ هو اسم أمير المنطقة، وبحسب التتابع فقد ظن – أيضاً – أنه ابن للملك عبدالعزيز ولهذا جاء العنوان مفاجئاً هكذا: "رابغ بن عبدالعزيز لليمامة".