يجهد كثير من الناس أنفسهم في ترتيب الدين والوطن؛ أيهما أول، يفعلون ذلك لأسباب عاطفية أو سياسية أو دعائية. لكن هذا يعني، في كل الأحوال، إما فقدان الرؤية الواضحة للدين والوطن معاً. أي فقدان الإحساس بالهوية الدينية والوطنية، والجهل بالفروق الكبرى بينهما، وإما أنه خلط متعمد لغايات سياسية مدمّرة.

قبل سنوات تلقيتُ لوماً حتى من بعض أصدقائي لأني، أثناء تقديمي لندوة وطنية، قلت: "الوطن أولاً حين يتعلق الأمر بالوطن، والدين أولاً حين يتعلق الأمر بالاعتقاد".

إن ترتيب "الدين أولاً والوطن ثانياً" لهو ترتيب بين ما لا يمكن الترتيب فيه، إضافة إلى ما يتضمنه من خطورة بالغة على الوطن والدين معاً.

فتقديم الوطن على الدين يعني إعادة تشكيل الدين على مقاسات سياسية وجغرافية، وتقديم الدين على الوطن يعني، بكل بساطة، إلغاء مفهوم الوطن، وهو الأمر الذي تقع فيه حركات "الإسلام السياسي" فتجرّ الويلات على البلاد والعباد، والشواهد الحية ماثلة للعيان.

في مؤتمر الحوار الوطني المنعقد في أبها قبل سنوات بعنوان "نحن والآخر" كان لافتاً للانتباه أن المشكلة كانت تكمن في تعريف "نحن" وقد أخذت هذه النقطة غالبية مداولات المؤتمر!.

والسبب في هذه المشكلة هو ما ترسخ فينا جميعا من أنه لا بد من ترتيب بين الدين والوطن ترتيباً تدرّجيّاً، الأهمّ يأتي أولاً. كان صعباً علينا أن نقول "نحن السعوديون" والآخر هم كل البشر، مسلمين وغير المسلمين، لا نريد أن نفصل أنفسنا عن "الأمة الإسلامية"!.

وكان صعباَ علينا أن نقول "نحن المسلمون" لأننا لن نعرف من هو الآخر حينها ولأننا سنكون تائهين بلا تعريفنا الوطني "سعوديين".

يمكن للمسلم أن يكون مسلما في أي بلد وتحت أي ظرف، الدين مسؤولية فردية، كان ولا يزال وسيبقى هكذا، أما الوطن فهو أمر مختلف تماماً. ورابطته قد تشمل كل الطوائف.

لم تصادفنا منعطفات ترغمنا إرغاماً على التفريق بين هذه الحقائق، بل إن مناهجنا التعليمية رسخت مفهوم "الأمّة" على حساب مفهوم "الوطن".

وتلك حكاية لا تزال..