نخبة من المتخصصين والمثقفين جلسوا قبل أيام في العاصمة الحبيبة يتدارسون وعلى مدى ثلاثة أيام الفعاليات الثقافية المزمع القيام بها في المهرجان الوطني القادم للتراث والثقافة "الجنادرية".. هذه اللجنة التشاورية ـ وكما رأيت وسمعت ـ سعت في مجموعات عمل مركزة لتقديم مرئياتها عما مضى، وعما هو قادم، خاصة وأن الجنادرية القادمة جنادرية قيمة وغالية بكل المقاييس؛ فهي الجنادرية رقم (30)، وتصادف السنة الـ(10) لتولي موجهها الأول خادم الحرمين الشريفين ـ حفظه الله ورعاه ـ مُلك مملكتنا الغالية.
لعل من نافلة القول ذكر أن الجنادرية مناسبة تاريخية ثقافية تدل بوضوح على اهتمام القيادة بالتراث والثقافة والتقاليد والقيم الأصيلة، كما تعد مناسبة وطنية تربط التكوين الثقافي المعاصر بكل أوجه التراث من صناعات يدوية، وحرف تقليدية وغير ذلك مما أبدعه الآباء والأجداد.. كما أن من فضول الكتابة ترديد أن وزارة الحرس الوطني وهي تنظم الجنادرية تثبت للجميع أن رسالتها الحضارية في خدمة المجتمع تواكب رسالتها العسكرية في الدفاع عن الوطن وعقيدته وأمنه واستقراره.
لا شك أن مهرجان الجنادرية واجهته وتواجهه التحديات ـ الدينية والدنيوية ـ والحرس الوطني قدم ويقدم وسيقدم كل ما بوسع رجاله المخلصين لتطويره، ولذلك فلا أرى ـ وغيري ـ كثير بأسا في (التفكير) في تحويل المهرجان أو بعض فعالياته إلى مؤسسة أو هيئة تحت رعاية وإشراف من الحرس الوطني، وأرى أن مواجهة هذا المقترح ينبغي أن تكون (بعقلية معتمدة على الحوار الهادئ والمتزن).. محبو الجنادرية يريدون الوصول إلى ضمانة تامة لتحقيق أهدافها: هل استطاعت الجنادرية أن تسهم في التأكيد "على القيم الدينية والاجتماعية التي تمتد جذورها في أعماق التاريخ لتصور البطولات الإسلامية لاسترجاع العادات والتقاليد الحميدة التي حث عليها الدين الإسلامي".. هل أوجدت الجنادرية "صيغة للتلاحم بين الموروث الشعبي بجميع جوانبه وبين الإنجازات الحضارية التي تعيشها المملكة، والعمل على إزالة الحواجز الوهمية بين الإبداع الأدبي والفني، وبين الموروث الشعبي".. هل شجعت الجنادرية "اكتشاف التراث الشعبي وبلورته بالصياغة والتوظيف في أعمال أدبية وفنية ناجحة"، وهل شجعت "دراسة التراث للاستفادة من كنوز الإيجابيات كالصبر وتحمل المسؤولية والاعتماد على الذات لتدعيمها، والبحث في وسائل الاستغلال الأمثل لمصادر البيئة المختلفة".. هل حثت الجنادرية "على الاهتمام بالتراث الشعبي ورعايته وصقله والتعهد بحفظه من الضياع وحمايته من الإهمال".. هل عملت الجنادرية على "صقل قيم الموروث الشعبي ليدفع برموزه إلى واجهة المخيلة الإبداعية ليكون في متناول المبدعين خيارات من موروثاتهم الفنية بألوان الفن والأدب"، وهل عملت على "التعريف بالموروث الشعبي بواسطة تمثيل الأدوار والاعتماد على المحسوس حتى تكون الصورة أوضح وأعمق، وإعطاء صورة حية عن الماضي بكل معانيه الثقافية والفنية".. الوعي بكل السابق يفرض قياس أداء الجنادرية كل عام من خلال قياس (مؤشرات الأداء)، والتي من خلالها يمكننا التعرف على مدى نجاح تحقيق أهداف الجنادرية.. وهذا الوعي يلزمنا ـ وبهدوء ـ التفكير في أن يكون عمل الجنادرية تخصصيا؛ على أسس، ومبادئ، وأركان، وقيم تنظيمية، ولوائح، وإدارات، وفرق تكون مرجعية قراراتها لمجلس يعتمد الشورى لا الفردية.. المتابع للجنادرية على يقين من أن الجنادرية تفوقت على كل حراك ثقافي داخلي، ومجاور، والمحافظة على هذه المكانة تستوجب الغيرة (المحمودة) التي ترفض (الذاتية)، وتحقق (الجماعية) مع الوزراء ووزاراتهم وهيئاتهم، وخصوصا هيئة الإذاعة والتلفزيون.