من كان يظن أن التواصل الاجتماعي بين الناس سوف يصل إلى هذا المستوى من السرعة والفاعلية التي تجعل الآراء سيلاً هادراً في كل لحظة؟! تدخل عالم "تويتر" فإذا آلاف مؤلفة من الناس تتكلم عن كل شيء، مستويات مختلفة من العقول والأفهام والأعمار والأجناس والطوائف والأفكار، يمتزج فيها العالم مع الجاهل، الكبير مع الصغير، الذكر مع الأنثى في مكان واحد، وفي متناول الجميع، أياً كان مكانهم، وأياً كان وضعهم الاجتماعي، غنى وفقراً.
الــ#هاشتاق، أو ما عُرب بـ(وسم)، هو المكان الذي يتداول فيه الناس التعبير عن موضوع معين، تجاه قضية، أو شخص، أو حدث، وكل شخص ينتسب إلى "تويتر" له الحق في أن يسم من يشاء وما يشاء، وبقدر الموضوع يتم التداول والتفاعل وتختلف مستوياته، وفيه مكان ملائم للمطالع في قياس مستوى الأداء الفكري والأخلاقي والسلوكي لدى المجتمع، ورصد حركة الاجتماع من حيث التطور الفكري ومستوى الأداء الأدبي والأخلاقي، وبقدر قوة التأثير فيه يُصنع جيل جديد من العقول المصاغة على ضفاف هذا السيل الهادر من المشاركات المختلفة في منطلقاتها وأفكارها ورؤاها.
إن أخطر ما يمكن أن ينتجه (الوسم) هو حالة الصياغة الفكرية والأخلاقية التي تنعكس مباشرة على سلوك الفرد وخاصة الشباب الذين يتأثرون مباشرة بالفكرة دون القدرة على ملكة النقد والتمحيص والتحليل والمقارنة قبل الاعتقاد والتبني، ولذلك يجد أصحاب المشروعات الاستقاطبية الفرصة سانحة في مثل هذه الأجواء لبث الأفكار التي تخلق الأرضية العديدة لحملة الأفكار الأيدلوجية، أياً كان نوعها، وهذا يتطلب نقلة نوعية لطريقة التربية التعليمية والأسرية، التي تربي الشباب والشابات على قيمة "التساؤل" والنقاش مع الوالدين والمعلم والروية في حمل الأفكار والتوجهات قبل استشارة أهل الخبرة فيها، وخاصة حينما يتعلق الـ(هاشتاق) بقضية عامة تتعلق بالمجتمع وأمنه واستقراره، أو قضية عاطفية تهيج المشاعر تجاه الكره أو التذمر، فإن هذا يخلق حالة من الظواهر المنحرفة التي سوف تنعكس لا محالة على السلم الاجتماعي، خاصة أن خطاب "التهييج" حاضر بكثافة في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي "تويتر" على وجه التحديد.
لي جار أعرفه من خلال الذهاب والعودة إلى المسجد، كان يهش في وجهي ويسلم، وأخبرني أنه يتابعني في "تويتر"، وهذا قبل أحداث الربيع العربي تقريباً، إلا أنه وفجأة بدأ يمر ولا يسلم، ويتذمر ويشيح بوجهه، أنا أجزم يقيناً أنه قرأ لي فكرة لم تعجبه، أو صيغ فكره تجاهي من خلال مخالف شرس رسخ صورة نمطية تجاهي، وهذا أمر أقدره، وخاصة حين أعرف أن بعض الأشخاص لا يملك الحصيلة العلمية والثقافية التي تهيئه لنقد الأفكار ومناقشتها، وكثير من أولئك من يتأثر بالكلام القاسي ويحكم على الآخرين من خلاله، ولكنه في المقابل لا يملك الشجاعة الكافية التي تجعله يمسك بيدي ويقول: قرأت لك الفكرة الفلانية وأنا أخالفك فيها وأحب مناقشتك، أو يخالفني مع بقاء المودة والمحبة، ولكننا نعاني الآن وللأسف، من حالة "احتقان" وتسييس للشعور العام، الأمر الذي يؤذن بفتنة بين الناس، فالمغرضون يضربون على وتر العاطفة، ويعرضون أنفسهم على أنهم الأنقياء، ثم هم يشككون بنية غيرهم وتصرفاتهم، وهذا ستكون ضحيته فئاما كثيرة من المجتمع التي يصوغها الهاشتاق، ويصنع أفكارها "واتساب وفيسبوك" وأخوانهما.