عبر العصور، بقيت صورة المتغطرسين والمكابرين والثقلاء والأدعياء، واحدة لا تتغير بتغير الأزمنة والأحوال والأمكنة، حتى إن أحدنا لو أعاد قراءة "رسالة التربيع والتدوير"، للجاحظ، وأسقط صفات "المربع المدور" التي حوتها على أحد المحيطين به، أو على إحدى الشخصيات العامة، لتطابقت الصفات تطابقا مذهلا.

من صفات المتغطرسين الثابتة عبر التاريخ، أن أحجامهم تطغى على حقيقتها، فتغطي حقيقة ما أمامهم، حتى تنعدم عندهم الرؤية، فلا يرون الناس، ولا يُرونهم إلا ما يرون، فضلا عن قبح ألفاظهم عند الحوار، وسوء تصرفاتهم عند قيام الحجة عليهم.

لا مشكلة في وجود المتكبرين المتغطرسين الأدعياء، فتلك سنة الله في خلقة، بيد أن المشكلة حين يكون صاحب هذه الصفات المذمومات مسؤولا تنفيذيا ذا علاقة مباشرة بمصالح الناس ومصائرهم وحقوقهم؛ لأن المتكبر لن يكون عادلا، ولا عاقلا، ولا حكيما، ولا مخلصا إلا لنفسه، إرضاء لغروره، وبحثا عن ذاته الضائعة بين ادعائه وحقيقته.

المسؤول التنفيذي المتغطرس، يدعي أنه لا يعرف الأفراد، بينما هو يعرفهم فردا فردا، ويفعل ـ على الدوام ـ ما يستفز عباد الله، ويحرص على إنجاز ما يكرهونه، بينما يسوف في العمل الذي يدرك أنه يرضيهم، أو يحقق العدالة، أو يخدم الوطن، وما ذاك إلا ليرضي ذاته الناقصة، وليؤكد للناس أنه جدير بغروره وغطرسته؛ لأنه القادر على الإغضاب والاستفزاز، وكل تلك الصفات ناجمة عن تراكمات مرَضية يصعب على "السطحيين" اكتشافها.

وما دام الأدب بالأدب يذكر، فقد ذكرتني "رسالة التربيع والتدوير"، بقصيدة للشاعر الراحل عبدالله الزمزمي، يصور فيها ثقيلا مغرورا، وكأنه يرسم بالكلمات بشرا نعرفهم ونعاشرهم ونقرأ عنهم ونستمع إليهم، فيصور مشية المغرور الثقيلة، واهتمامه بمراقبة الناس متوهما – لجهله - أنهم به منشغلون:

يمشي ويثقله في خطوه الفشل

كأنه بحديد الأرض ينتعل

يمشي يراقب كل الناس منشغلاً

ويحسب الناس من جهل به شغلوا

يمشي ببطء كأن الأرض قد صدعت

من تحت رجليه فهو الفارس البطل

يرنو إلينا بنصف العين في صلف

فلست أدري، أطبع ذاك أم حول؟!

تلقى الغرائب في أفعاله عجباً

وليس يثنيه عن أفعاله خجل

فسبحان القائل: (ولاَ تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً)، ورحم الله الزمزمي الذي رسم الأنموذج، حين صور الجهل القائم على التوهم، وعلى الشعور الوهمي بالقوة، مما تظهر آثاره على حركات المغرور، وبخاصة على مشيته، التي تشي بأنه يهَب ذاته مكانة ليست لها، فضلاً عن وصفه بأوصافٍ عمادها المفارقة، "فهو الفارس البطل"، وليس كذلك، ولكنه يتوهم نفسه على تلك الصفة، وذلك كله ناجم عن أوهام، وعن أقوال مادحين "مساكين"، أفضت به إلى الإعجاب بنفسه، مما زاد في قبح صورته الجامعة بين صفتين مذمومتين هما: الغرور، والغباء.