حين نتابع عن كثب تنظيم القاعدة منذ نشأته، والذي يتخذ حالياً من الأرض العربية - اليمنية والعراقية والسورية - أرضاً يتشكل فيها هيكلياً من جديد بعد رحيله عن الأرض الأفغانية، سندرك أننا أمام متغير نوعي يتمثل في عبور التنظيم إلى يابسة الجزيرة العربية بالدرجة الأولى، سعياً خلف هدفه المعروف سلفاً على أية حال، وهذه النقلة الاستراتيجية للموقع هيأت لاستقطاب أنصار جدد، بالمقابل لم يستحدث التنظيم أية أنماط أو أشكال جديدة من أشكال المواجهة التي لا يتقن غيرها، إذ مازال هذا التنظيم يستخدم خطة المواجهة الحربية الكلاسيكية في كل مكان يظهر فيه، بداية من أفغانستان، فالعراق، واليمن، وشمال أفريقيا، والصومال، والشام، وهو دليل على أننا أمام مجموعة تفكر بطريقة أحادية، وهذا في الواقع أكبر مأزق تعيشه عقلية تنظيم القاعدة منذ يومها الأول، وكان من نتائجه خسارتها للعديد من قادتها الميدانيين باستمرار وبشكل سريع متلاحق، في مشهد مكرور لا يعبر عن عقلية أو ذهنية تحاكيان ما حولها من التنوع الفكري والثقافي، وسيبقى المشهد ذاته يتكرر ما لم تعلن القاعدة عن أفكار جديدة للمواجهة شكلاً ومضموناً..
ويعود ذلك لعدم قدرة تلك العقلية على الخروج من نمطية فكرها وأحاديته، وضيق ومحدودية رؤيتها للعالم ومتغيراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، مما يُصعّب عليها التخلص من الثوب الذي لبسته في أفغانستان على يد قياداتها العتيقة سابقاً، والتي رسمت خططها في فترة الثمانينات الميلادية بما يتوافق مع الموجود على الأرض، والمتمثل بوجود خصم مقابل في الميدان – الجيش الروسي-، ومثل تلك الخطط أثبتت نجاحها سابقاً بتحالفاتها فيما بينها والقوى الداعمة أيضاً، لكنها الآن لا تسجل سوى الفشل المتلاحق، وتكسب حنق الناس والمجتمعات والعالم بأسره يوماً بعد آخر، ولا يبدو في الأفق ما يشير إلى إمكانية صمودها مستقبلاً طالما ظلت على نفس النهج المتعنت، والنتائج على الأرض بعيداً عن التفاصيل تتحدث عن خسائر فادحة في صفوفها كما يقول الحال.
تنظيم القاعدة إذاً في حاجة ماسة إلى إعادة النظر في سياسة برنامج المواجهة الذي ينتهجه، والتسليم بعدم جدوى الاستراتيجية الحالية له، فما حققه سابقاً من انتصارات في الصومال مثلاً، كان في الواقع على أرض شبه فارغة من الخصوم والمقاتلين، وهي في العرف العسكري لا تعني انتصارات نوعية حقيقية بقدر ما هي بسط سيطرة وهمية، وعلى قادة التنظيم ألا يفرحوا كثيراً بإطلاقهم فكرة أيديولوجيا حركة الجهاد العالمي المنادية بإعادة إحياء الخلافة الإسلامية، التي أعلنوا عنها قبل سنوات كإحدى محاولاتهم لتكريس فكر جديد يعتمده أفرادها، وهي الأيديولوجيا التي لم تجد متلقين نوعيين لترجمتها بشكل مؤثر وفاعل، ولأنها اعتمدت لمشروعها الجديد أسلوب الخطابة الإنشائية البحتة، والأناشيد ذات الصبغة الدينية المستجدية للعواطف والمحفزة للهمم دون الاهتمام بالكيفية، ولأن الفكرة في نهايتها لم تكن أكثر من أطروحة عاطفية، الأمر الذي زاد من خسائرها وأساء كثيراً إلى سمعة الإسلام والمسلمين في كافة أنحاء العالم، والذي بلغت ذروته في عام 2001 بعد الهجوم على برجي التجارة العالمية بنيويورك، ليعود التنظيم في كل مرة إلى أسسه الأولى المرتكزة على المجاميع المتوزعة في أقاليم معروفة في الشرق الأوسط، والقاعدة هو التنظيم الوحيد في العالم الذي لم يستطع تطوير فكره وآليات حركته نهائياً.
لقد توقعت أن يستثمر قادة القاعدة أحداث ونتائج الربيع العربي في بعض الدول العربية، ويسارعوا في بناء فكر جديد يحاكي تلك الأحداث، وينخرطوا من خلالها في رسم خطواتها المستقبلية على المدى البعيد، لكن ما حدث كما يبدو كان صاعقاً ومربكاً لهم، في ظل عدم استعدادهم للتواصل مع الفكر السلس لتلك الثورات وأحداثها وما آلت إليه، وطالما بقيت تلك القيادات حبيسة دائرتها الفكرية المغلقة ولغتها العقيمة، التي ترى الجنة من خلال فوهة البندقية ومشاهد القتل الهمجية، فإن النهاية بخسرانها وزوالها هي أكثر ما يلوح في الأفق بالتأكيد.