ساعة ونصف أو "ساعة ونص" كما هو اسم الفيلم المصري "جدا"، تمضي وأنت مرتهن ومشدوه بالمشاهد المنسجمة والمتنوعة في آن واحد، نسجها باقتدار الكاتب أحمد عبدالله، ونفذها بصريا وبحرفية لافتة المخرج وائل إحسان؛ ليخرج لنا "فيلما" ينفُذ إلى حياة البسطاء، ويختطف منهم مشاهد مرادة؛ لتنتظم كلها في عقد واحد ثيمته الرئيسة هي الانتظار، انتظار الأمل المرجو والشوق المهول إليه وبذل كل شيء من أجله، قطار فقير متواضع وهادئ في الوقت نفسه، يحتضن داخله فئات من الناس "الغلابة" وإن بدت على ملامحهم بعض سمات العفة والترفع والاعتداد بالنفس، القطار آلة هادرة تخترق القرى، لكنها كذلك لا تستغني عن رجل يصلح لها الطريق ويتفقد نقاط الخلل، القطار حياة كاملة ينتظرها حالمون، "عسكري" يقبض على شاب خالف أعراف المجتمع ظانا أن ما يفعل في أوروبا يمكن أن يكون هنا، وآخر عائد من رحلة عمل إلى ليبيا لم يظفر منها بـ"مليم" واحد، وطبيبة يقف زوجها حجر عثرة في طريق المنحة التي حصلت عليها، حتى بائع الشاي المسافر دوماً على متن القطار له حكاية متفردة مع زوجه وابنه الصغير، حياة كاملة لم يقدّر لها أن تصل؛ لتنتهي على شكل فاجعة تجعلنا نشتاق إلى كل وجه منهم بل ونفتقدهم جميعا.

إبداع يلامس الروح ويعطي لأفكارنا مساحة للتحرك، ولقلوبنا فرصة للشعور بغيرنا من المكلومين والمطحونين، سينما راشدة أو قل رشيدة هادفة، تستبصر مواجع الناس وتجعلها على المحك أمامهم وأمام المسؤول عنهم، سينما "نظيفة" لا مبرر للتصدي لها ومقاومتها والصدّ عنها، سينما "تطهير" تصدق معنا فنصادق على فعلها ونقف عن لهاثنا في حياة التيه؛ لننظر حولنا ونتفكر فيما أنجزنا وفيما لم ننجز، فلم لا نتيح الفرصة لها بقناعة ودعم ومؤازرة؟ ولا مانع من رقابة مهنية، وما المحاولات الخجلى والعجلى لإيجاد سينما محلية إلا إرهاص على وجود الكفاءات من الفنيين والفنانين، فلم نصب بالجفاف ولا العقم بعد، وما يزال مشهدنا الفني يضخ عاما إثر عام مواهب عديدة، لها الحق في أن تجد مكانا لتعبر عن ذواتها ومخزونها الإبداعي، ولعل مقاطع "اليوتيوب" العفوية خير شاهد على أننا قادرون على النهوض الفني ومناقشة المجتمع في مشكلاته وتعريضه لأنواع من التناولات غير المألوفة؛ فيرتقي وعيه وتزدان ثقافته بالجديد، المجتمع لن يرفض الفنون الراشدة ولم يكن يرفضها قبلا، إنما يُعرض عن الإسفاف وكلنا معه في هذا القرار.