لا بد أن تنجح السياحة في بلادنا؛ فلدينا كل المقومات، وأنا مع الذين يرون أن زيارة الحرمين الشريفين للحج والعمرة ليست سياحة أو "سياحة دينية" كما يقولون أو كما يسمونها، فالحج والعمرة عبادة وليست سياحة.. مع تشرف بلادنا بخدمة الحجاج والمعتمرين، ولكي تنجح السياحة في بلادنا لا بد أن نعرف ماذا يريد المجتمع، وما هي المتطلبات التي يحتاجها، وما الذي نريده أن يتحقق على أرض الواقع في مجال السياحة وكيف نشرك القطاع الخاص بشكل فاعل في مجال السياحة؟

قبل التعامل مع هذه الأسئلة أود التطرق إلى مصطلح يتم تداوله عند الحديث عن السياحة.. هذا المصطلح هو "السياحة الدينية"، وقد أبدى البعض اعتراضاً على هذا المصطلح حيث يرون أن الرحلات إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة هي رحلات للعبادة، وهي عبادة وليست سياحة، ويجب ألا تدخل ضمن الفعاليات السياحية؛ فالذين يأتون للحج والعمرة والزيارة يقصدون هذه الأماكن للعبادة.. ثم إن الحرمين الشريفين هما مكانان مقدسان يتم التعبد فيهما وليسا مكانين سياحيين وإدراجهما ضمن الأماكن السياحية أو اعتبار أن الذين يأتون إلينا بهدف الحج والعمرة والزيارة هم سياح خطأ يجب الابتعاد عنه، واحتساب أعداد الذين يأتون للمملكة بهدف العبادة ضمن نسبة السائحين خطأ كذلك.. فمقومات السياحة تختلف عن مقومات العبادة وأهداف السياحة تختلف عن أهداف العبادة، ودمج الفئتين لا يخدم أي هدف لهما.. إذاً ومن هذا المنطلق أرى الابتعاد عن مصطلح "السياحة الدينية" وعدم استخدامه، وفيما يخص السياحة ومقوماتها فإننا نعرف جميعاً أن عامل الطقس لم يعد العامل الوحيد الذي يضمن صناعة سياحية ناجحة.. اسألوا الذين يسافرون للسياحة في مناطقنا السياحية (الطائف- والباحة- وأبها).

أولا بعد اليوم الرابع أو الخامس أو قل السابع تبقى أفراد العائلة ينظر بعضهم إلى بعض ثم ماذا بعد؟ ثم أيضاً تنظر العائلة إلى فاتورة الفندق أو المنتجع السياحي الذي يقيمون فيه فلا تتحملها.

أستطيع أن أضرب أمثلة وأعطي شواهد وأدلة على مقارنة الأسعار بين فنادقنا في المنتجعات وفنادق مناطق سياحية في أوروبا وتحديدا في باريس، وهذا الموضوع ليس جديدا فقد شبع نقاشا ولا أود الخوض فيه، لكنه من المواضيع التي يجب أن تعالج لأنه عامل مهم لنجاح السياحة الداخلية.

أما الموضوع الذي أطرحه هنا فهو أننا لا نعرف هل نجحت السياحة عندنا أم لا؟ ولا يمكن أن نعرف إلا بإعداد دراسة بأسلوب 360 درجة للاستكشـــــاف وإعداد الخطط والاستراتيجيات ذات العلاقة بالسياحة، وتحديد أبرز الخطوات والتحديات والمؤثرات المحلية والعالمية، والاطلاع على التجارب الدولية المميزة، وتجيب الدراسات على هذه الأسئلة على هذا النحو:

- ماذا يريد المجتمع بكافة مستوياته من السياحة؟

- ما هي المقومات الأساسية التي تضمن سياحة ناجحة تلائم بيئتنا؟

- ما هي المعوقات الأساسية لنجاح السياحة؟

- كيف يمكن مساعدة المشتغلين بالسياحة على النجاح والاستمرار في العمل في مجالها وعدم تركها بعد تجارب سلبية وكيف يمكن تفادي مثل تلك التجارب؟

- كيف يمكن تشجيع مشتغلين جدد بالسياحة وتوظيف مزيد من رؤوس الأموال في هذا القطاع؟

- هل تم استثمار كل الأماكن المؤهلة للاستثمار السياحي وبالسرعة الممكنة.. وما هي عوائق بطء الاستثمار في مثل هذه الأماكن؟

- كيف يمكن أن نغير وجهة السائح السعودي والعربي إلى السياحة الداخلية؟

- كيف يمكن استقطاب سائحين من دول العالم؟

كل هذا لا يمكن أن يأتي مصادفة، في نظري لا بد من استراتيجيه شاملة تأخذ كل ما ذكرته أعلاه بعين الاعتبار. إذا لم نتمكن من الإجابة عن تلك الأسئلة بوضوح وشفافية لا أظننا نستطيع أن نقنع بالمستوى الذي نريده بالسياحة الداخلية. نسمع عن سائحين يعودون بعد زمن قصير لأنه لا شيء يستحق المكوث أكثر، ونسمع عن سائحين يفرون من الغلاء، ونسمع ونسمع، ونحتاج إلى إجابات مبنية على دراسات علمية تحدد الواقع وترسم المستقبل. إجابات ترتقي بمستوى السياحة وتفتح مجالات جديدة وتستقطب مشتغلين جددا.

هل درسنا وقومنا المهرجانات السياحية وما تتضمنة من برامج؟ هل المهرجانات هي كل ما يريده السائح؟ كم نسبة الاستقطاب التي تحققه تلك البرامج؟

قد نكتشف أننا نصرف نسبة كبيرة من الوقت والجهد والمال على أمور تحقق نسبة ضئيلة من النجاح وقد لا تحقق أي نجاح. وقد تكشف لنا الدراسات أن هناك من الأمور التي أهملناها وهي العامل الأساسي للجذب، وأنا هناك أتحدث آخذاً في الاعتبار البيئة السعودية الإسلامية.

في بعض المنتجعات في بعض الدول يمتطي السائحون سفينة كبيرة فيها مطاعم تبحر بالساحين لمدة 4 أو 5 ساعات يستمتعون فيها برحلة بحرية جميلة. يقومون بممارسة هواية صيد السمك، أو الاستمتاع بوجبة شهية على ظهر السفنية في وسط البحر، وهناك في بعض الدول يذهب السائحون إلى أحد الجزر لقضاء يوم كامل لممارسة بعض الألعاب الرياضية أو السباحة أو صيد السمك أو عمل (باربكيو). وأتساءل عن التأخر في استثمار الجزر الكثيرة لدينا، وأعرف أنها جزر تتمتع بشواطئ غاية في الجمال من حيث تربتها ومائها.

على شواطئ منطقة تبوك على سبيل المثال هناك أماكن ساحلية قمة في الجمال، وأتساءل وغيري لماذا لا تستثمر سياحياً؟ هل نحتاج إلى استصدار مزيد من الأنظمة؟ هل نحتاج إلى تشجيع المستثمرين بالمال أو بعقود طويلة أو بشراكة حكومية تضمن رأس المال والنجاح أو بتخفيض سعر الإيجار؟ لا أدري.

إنها أسئلة تطرح أكثر من إجابات تقدم، وأنا أعرف أن سمو رئيس الهيئة الوطنية للسياحة يمتلك في الهيئة مركزا للبحوث يمكنه من إعداد دراسة نوعية تأخذ كل ما تقدم في الحسبان. ولا أظننا بغير ذلك نستطيع الحصول على صناعة سياحية بالمستوى الذي يمكننا أن نقنع فيه الناس بالسياحة الداخلية.

وخلاصة القول.. إن لدينا من مقومات السياحة النظيفة ما يكفل استقطاب أعداد هائلة من السياح من جميع أنحاء العالم إذا تم استثمار مواقعنا وجزرنا وآثارنا السياحية وكانت هناك تسهيلات لرجال الأعمال في التمليك والتأجير للمواقع.. فمازالت إجراءات الاستثمار لدينا مليئة بالبيروقراطية الكفيلة بضمان عزوف المستثمرين ولجوئهم إلى مجالات أكثر عائداً وأقل بيروقراطية.