أمام إلحاح ابنتي المتكرر بالذهاب إلى المسجد لصلاة التراويح فقد وافقت، بعد أن كنت ابتعدت عن المساجد منذ زمن إيماناً مني بأن صلاة المرأة في بيتها أفضل لها من الذهاب إلى الصلاة وارتكاب الآثام من "التحلطم بسبب السلوكيات الخاطئة التي يمارسها كثير من النساء". لكن للأسف فذهابي لم يزدني إلا "تحلطماً" وغضباً وحزناً على أوضاع أقسام النساء في المساجد.
لا أنكر أن هناك عناية فائقة من القائمين على المساجد في تنظيف وترتيب وتعطير هذه الأقسام بل العناية الكاملة بالمساجد، لكن بعد قليل من الدقائق ستبدأ الفوضى العارمة من نقطة البداية، وهي بوابة المدخل ووجود الأحذية وطريقة وضعها بالرغم من وجود أدراج وأرفف خاصة بها.
ولا يفوتني نقل تفاصيل تلك الزيارة لكم وما قامت به بعض النساء إلا من رحم ربي.
أولاً: الجلوس المتقارب في شكل مجموعات، الهدف منه السواليف والدردشة وبالعامية "الحش وأكل جلود الناس" رغم أن الحاضرات حضرن لزيادة حسناتهن وقد وصل إلى مسمعي كثير من هذه الأحاديث والتي جعلتني أفرك جزءا من جلد يدي، ربما أنا في حلم، هل الأخوات في جلسة ضحى أو في بيت من بيوت الله؟
ثانياً: الحضور إلينا بعباءة تنتشر رائحتها على بعد ميل، وبإمكاني التفرقة بين عباءة من طبخت كبسة اليوم، ومن طبخت طبقاً من المكرونة الباشميل، أو حتى من صنعت المطبق بمجرد مرورها بقربي، وأستغرب لو أن هذه أو تلك قد دعيت إلى حفلة عرس فما هي فاعلة من زينة، وبحث عن الجديد والمميز، وأترحم على زائرات المساجد فأغلبهن يحضرن بملابس المنزل، والتي توضح لي وتبين من خلال أطراف العباءة وإن كنت لا أطالب بالتجمل والتزين الظاهر، لكن أقل القليل الحضور بملابس مناسبة لهذا المكان احتراماً منا لقدسيته وبرائحة نظيفة وعطرة بعيداً عن روائح المطبخ وتوابعه.
ثالثاً: لم أخشع في صلاتي رغم القراءة الجميلة وصوت الإمام فقد كان هناك عدد من الأطفال الرضع الذين جلبوا إلى المسجد ولا أعلم ما الهدف من إحضارهم؟ فمن لم تجد من الأمهات من يعينها على وضع هذا الطفل في المنزل فمن الأفضل لها الصلاة في بيتها، وعدم إزعاج خشوع المصليات.
رابعاً: آثرت أن أخرج بعد خروج جميع النساء، فبعد أن كان بهو الصالة نظيفاً مرتباً تناثرت هنا وهناك المصاحف بعد أخذ عدد منها للقراءة، لكن لم يكلفن أنفسهن عناء إرجاعها إلى مكانها، إضافة إلى مخلفات المحارم الورقية المستعملة والتي رميت وتركت هنا وهناك.
خامساً : وقبل خروجي ذهبت إلى دورات المياه، وقد كانت رحلة غير موفقة جعلتني أرجع أدراجي وأنا أرثي لحالنا كمسلمين، وأردد إذا كان هذا حال بيوت الله فكيف هي بيوت هؤلاء المصليات وتذكرت مثلاً شعبياً يقول: (جلدن مهوب جلدك جره على الشوك).
وفي خروجي كانت هذه الظاهرة والتي كانت وما زالت ولا أعلم لماذا لا تختفي وتحترم بيوت الله، فساحاتها الخارجية انتشر فيها عدد من الباعة من جنسيات مختلفة، من دول شرق آسيوية، كل وبضاعته، وتجمهر الناس حولهم وشعرت أنني في ساحة من ساحات الأسواق الشعبية، ولست في ساحة أقدس بقعة في الحي!
بعد كل ما سبق أمسكت يد ابنتي نورة وأنا أقول لها: (صلاة العيد وبس يا نورة) إيماناً مني أنها "أفضل من يشعرك بالعيد" فردت ابنتي وقالت: (صح يا ماما).
فكانت هذه زيارتي الأولى والأخيرة للمساجد في رمضان بعد انقطاع دام ما يزيد عن عشرة أعوام كنت قد عزمت على عدم الصلاة في المساجد بسبب التجاوزات والتي يستطيع كل من يفعلها أن يراقب الله في أفعاله.