ذكرت وزارة التجارة في آخر تقرير صدر لها، عن انخفاض أسعار السلع الغذائية وارتفاع طفيف في بعضها، كما تضمن التقرير كفاية المعروض من هذه السلع قبل بدء شهر رمضان المبارك.
وفي الحقيقة ما تضمنه التقرير يعد مؤشراً جيداً لأسعار السلع الرمضانية وخطوة جيدة من قبل وزارة التجارة في ممارسة دورها في هذا المجال، وخاصةً إذا عرفنا أن الأسر تنفق ما يوازي 9. 44% من إجمالي إنفاقها على الطعام سنوياً، ويزيد هذا الإنفاق بالذات في شهر رمضان.
وبالرغم من أهمية معرفة أسعار السلع الرمضانية والرقابة عليها وما تمثله من نسبة كبيرة في الإنفاق، إلا أن هناك أمورا مهمة يجب التوقف عندها، وهي سلامة السلع الغذائية، والعادات الاستهلاكية في المجتمع، حيث ترتبط سلامة الأغذية والوعي الاستهلاكي بسلامة المواطنين وصحتهم.
وفي شهر رمضان بالذات يزيد الاستهلاك الغذائي بشكل ملحوظ، بالإضافة إلى تغيّر النمط الغذائي في هذا الشهر الفضيل، فيتسارع الناس إلى المتاجر والسوبر ماركت لشراء حاجياتهم الغذائية منها، ومن العادات الاستهلاكية السيئة هو الشراء بكميات كبيرة وبالجملة وعادةً يكون أكثر مما تحتاجه العائلة، كما لا يتم الالتفات إلى العناصر والقيمة الغذائية للسلع، ناهيك عن عدم التفحص الظاهري للسلعة من حيث الجودة أو من حيث الصلاحية وطرق التخزين.
ويلاحظ أيضاً أن النمط الغذائي في المجتمع غير صحي البتة، حيث يكثر شراء المشروبات التي تحتوي على أصباغ كيميائية وتناولها في وقت الإفطار بشكل كبير كما أن الطعام يتكون في الغالب من الطبيخ الدسم المشبع بالزيت والدهون وهذا النوع من الطعام هو من أكثر الأطعمة ضرراً ومن أقلها فائدة، كما أن طريقة الأكل تتمثل في سرعة تناوله وقلة العناية بمضغه، وأكل أكبر كمية ممكنة منه تصل إلى حد التخمة.
وبالطبع هناك عوامل اجتماعية وبيئية أدت إلى هذا النمط السيئ من الاستهلاك وأجد من الضروري دراسة هذه العوامل ومسبباتها وتبصير الناس بها قبل المطالبة بتغيير هذا السلوك فعلى سبيل المثال الشراء بكميات كبيرة تتجاوز حاجة العائلة، فهذه العادة مردها في الغالب كما يقول أحد علماء الاجتماع إلى أن " من مقتضيات الوجاهة أن يطبخ الرجل في بيته طعاماً أكثر مما تحتاج إليه عائلته حتى لا يقال إنه بخيل، وهذه عادة قديمة نشأت لدى الناس من جرّاء توقعهم مجيء ضيف إليهم على حين غرة"، وهناك عوامل اجتماعية أخرى يصعب إحاطتها في هذا المقال ولكن أطالب الباحثين والدارسين بالتطرق إلى هذه العوامل من هذه الناحية وخاصةً السلوك الغذائي لجيل الشباب الذي بدأ يتجه نحو الوجبات السريعة والتي لا تقل خطراً عن ما يسمونه (طبخ البيت)، وأخشى ما أخشاه أن ينتقل السلوك الغذائي القديم مع جيل الشباب إلى الوجبات السريعة!.
هذا بالنسبة للسلوك الغذائي والعادات الاستهلاكية في المجتمع، أما بخصوص سلامة الغذاء، فتشير كثير من التقارير و الدراسات إلى انتشار المواد الغذائية الملوثة والمغشوشة، بالإضافة إلى كثرة استخدام المواد الكيميائية والأسمدة في الزراعة مما سبب أمراضاً في الوسط الاجتماعي لم تكن مألوفة من قبل.
وضمان سلامة الغذاء تدخل ضمن مفهوم (حماية المستهلك)، وهذا المفهوم ليس من اختصاص وزارة التجارة والصناعة فحسب، وإنما تشترك عدة جهات حكومية وأهلية في هذه المهمة، منها الأمانات والبلديات ووزارة الزراعة والهيئة العامة للغذاء والدواء، ووزارة الصحة ومصلحة الجمارك، والهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس، والرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة، وجمعية حماية المستهلك، والمختبرات المركزية والخاصة.
ورغم تعدد الجهات الحكومية ورغم الجهود المبذولة في مجال حماية المستهلك وخاصةً فيما يتعلق بسلامة الغذاء، إلا أن دورها ما زال أقل من التطلعات والأمثلة على ذلك كثيرة، ويكفي أن أتطرق إلى بعضها لأوضح فقط حجم المشكلة وحجم التحديات التي نواجهها في هذا المجال، وألخصها في الآتي:
1) وجود مشاكل تنظيمية تتعلق بالقوانين والتعليمات ومن أبرزها وجود تداخل وازدواج بين مواد نظام مكافحة الغش التجاري ومواد لائحة جزاءات وغرامات المخالفات البلدية مما أدّى إلى وجود ثغرات رقابية متعددة وبالتالي نجد تفاوتا في العقوبات والجزاءات رغم تشابه الحالات المضبوطة.
2) عدم وجود أدلة تنظيمية وأدلة سياسات وإجراءات في كثير من الجهات الحكومية، والتي توضح الصلاحيات والمهام المطلوبة سواء للجهة أو العاملين فيها، فيما يتعلق بحماية المستهلك، ناهيك عن ضعف الأساليب الرقابية والتي تتعلق بالرقابة الميدانية على المتاجر والمطاعم، هذا بالإضافة إلى ضعف نظم المعلومات الخاصة بالأغذية .
3) ضعف التنسيق بين الجهات المعنية بحماية المستهلك ومنها على سبيل المثال وجود فجوة بين وزارة التجارة ومصلحة الجمارك تتمثل في فسح بعض المواد والسلع الاستهلاكية دون فحصها من قبل المختبرات المركزية وبالتالي عدم إجراء التحليلات المخبرية، ناهيك عن عدم إجراء هذه التحاليل للمواد الغذائية في السوق المحلي.
4) ضعف الوعي الاستهلاكي في المجتمع وعدم وجود خطط وبرامج وحملات منظمة ذات أهداف استراتجية تهدف إلى توعية المستهلك.
أكتفي بما سبق عرضه من بعض العوامل والتي في نظري أدت إلى انتشار سلع غذائية مغشوشة وملوثة في الأسواق المحلية تضر بصحة السكان، وهذه السلع تزداد بكثرة في شهر رمضان وخاصةً في فصل الصيف، ناهيك عن عدم معرفة مصادر هذه السلع وطرق تخزينها، وخاصة السلع الرمضانية.
وفي النهاية أقول إن المستهلك هو العنصر الأساسي والمهم في مجال مكافحة الغش التجاري ومكافحة التلوث الغذائي، وأشدد على دور جمعية حماية المستهلك وهيئة الغذاء والدواء في مجال توعية الناس وإمدادهم بالمعلومات اللازمة والتعاون مع وزارة الثقافة والإعلام ووزارة الشؤون الإسلامية والجامعات والمدارس كل في مجال اختصاصه بحيث تكون هناك استراتيجية وطنية للتوعية على المدى الطويل وتكون على أسس علمية.