في أواخر الشهر الماضي، أخبر وزير الخارجية الأميركي جون كيري اجتماعاً مغلقاً لـ"الهيئة الثلاثية" المشهورة في نيويورك أنه في حال لم يتحقق حل الدولتين قريباً، فإن إسرائيل تخاطر بأن تصبح دولة فصل عنصري (أبارتهايد) على غرار نظام جنوب أفريقيا قبل عام 1994.

وأمام الحملة الشرسة المنظمة، اضطر كيري إلى الاعتذار، دون أن يغير في مرمى كلامه، فقال إنه استخدم "الكلمة الخطأ" في التعبير عن مراده، مؤكداً على دعمه الأزلي لإسرائيل.

فهل فعلاً أخطأ كيري التعبير، أم أنه استخدم أكثر الكلمات دقة لوصف إسرائيل؟

كان من المفترض أن تظل كلمة كيري، التي ألقاها يوم الجمعة 25 أبريل أمام "الهيئة الثلاثية" المهيبة أمام حضور رفيع المستوى، سرية. إلا أن صحفياً تمكن من التسلل إلى القاعة ومن ثم نشر هذا المقطع يوم الأحد اللاحق، ومع أن ملاحظة كيري صيغت بدبلوماسية عالية، إلا أنها انتشرت انتشار النار في الهشيم في وسائل الإعلام، وهاجم أنصار إسرائيل كيري هجوماً شرساً.

ولم يكن كيري أول من يربط بين النظام الإسرائيلي ونظام الفصل العنصري، ولكن ربما كان أول مسؤول أميركي يفعل ذلك وهو ما زال في منصبه، وزاد من حدة ردة الفعل أن سنة 2014 موسم انتخابي بامتياز، فاهتبل مناوئوه الفرصة للتقرب من اللوبي الإسرائيلي بالنيل من كيري وأوباما معاً، فأدانه المنافسون من الحزب الجمهوري و"حزب الشاي" بل بعض الديموقراطيين كذلك.

وعلى الرغم من تراجع كيري عن استخدام كلمة "أبارتهايد"، إلا أنها هي الكلمة الصحيحة لوصف النظام الإسرائيلي، كما سأحاول إيضاحه لاحقاً، خاصة في ظل استمرار الفشل في الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، واستمرار سيطرة إسرائيل شبه الكاملة على حياة ملايين الفلسطينيين، ممن حُرموا من حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وقد توصل معظم العالم منذ فترة إلى الاستنتاج الذي وصل إليه كيري الآن، بما في ذلك عدد من قادة إسرائيل نفسها، من اليسار واليمين. فعلى سبيل المثال، كان "إيهود باراك" رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، من حزب العمل، أكثر صراحة من كيري في هذا الأمر، عندما حذر في فبراير 2010، وكان وقتها وزيراً للدفاع في حكومة نتنياهو، بأن فشل إسرائيل في تحقيق سلام مع الفلسطينيين سيؤدي إما إلى دولة ديموقراطية لا يتمتع فيها اليهود بالأغلبية وبالتالي ليست يهودية، أو إلى دولة يهودية تفرض نظام فصل عنصري على الآخرين، مضيفاً: "إذا لم يُمنح ملايين الفلسطينيين من سكان الدولة حق الانتخاب، فستصبح إسرائيل دولة (أبارتهايد)".

وقبل باراك، حذر سياسي إسرائيلي آخر من المصير نفسه. ففي نوفمبر 2007، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي (إيهود أولمرت) اليميني لصحيفة إسرائيلية "إن إسرائيل ستنتهي" إذا دخلت في صراع مع الفلسطينيين حول المساواة في الحقوق، ذلك أنه إذا فشل حل الدولتين فإن إسرائيل سوف "تواجه صراعاً يشبه ما حدث في جنوب أفريقيا حول المساواة في حق الانتخاب، وحالما يحدث ذلك فإن دولة إسرائيل ستنتهي".

وخارج نطاق السياسة الرسمية الإسرائيلية، يعتقد معظم الناس في أنحاء العالم كافة أن إسرائيل قد أصبحت بالفعل دولة فصل عنصري، أو اقتربت من ذلك كثيراً.

ومن المهم تأكيد هذا التصنيف وتوثيقه، نظراً لما يحمله من تداعيات خطيرة، قانونية ودبلوماسية وسياسية. فجريمة الفصل العنصري (أبارتهايد) تُعد في نظر القانون الدولي "جريمة ضد الإنسانية"، بموجب نص المادة السابعة من نظام المحكمة الجنائية الدولية، التي تُعرّف هذه الجريمة بأنها "الأفعال غير الإنسانية.. التي تُرتكب في إطار نظام مؤسسي يطبق القمع بشكل ممنهج، ويهدف إلى سيطرة مجموعة عرقية على مجموعة أو مجموعات عرقية أخرى".

ومن نواح كثيرة، ينطبق هذا التعريف بأكمله على إسرائيل اليوم، فقد وثقت منظمات حقوق الإنسان، داخل إسرائيل وخارجها، القوانين التي تستخدمها إسرائيل، والأفعال التي تقترفها في فلسطين، بهدف تمكين اليهود وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم، وهي لا تدع مجالاً للشك بأن النظام الإسرائيلي يمتلك السمات الأساسية لنظام (أبارتهايد).

وكلما أمعنت إسرائيل في إفشال مفاوضات السلام، في الوقت الذي تزيد فيه من قمع الفلسطينيين وعزلهم بقوة السلاح في تجمعات بشرية تشبه (بانتوستانات) جنوب أفريقيا الغابرة، تحيط بها مستوطنات إسرائيلية وجدار فصل بين المجتمعين، كلما أصبحت نسخة طبق الأصل من نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) البائد، إن لم تكن أسوأ منه.

وبالإضافة إلى حرمان الفلسطينيين من حقوقهم السياسية والمدنية، فإن النظام القانوني المزدوج الذي تطبقه إسرائيل بحق اليهود والفلسطينيين، كل على حدة، فيما يتعلق باستخدام الأراضي والمياه، والوظائف والخدمات الاجتماعية، يوضح التطابق بين النظامين. ويكمل الصورة مصادرات أراضي الفلسطينيين وهدم منازلهم وتحطيم مصالحهم الاقتصادية، وكل هذه يتم بالقوة المسلحة. ويتضح التمييز العنصري بجلاء في "حق العودة"، فمنذ قيام إسرائيل عام 1948، قامت بحرمان ملايين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم، في حين ساعدت ملايين اليهود للهجرة إلى فلسطين.

في عام 2007، كتب "جون دوجارد"، مقرر الأمم المتحدة الخاص لفلسطين، تقريراً مطولاً قال فيه "إن الاحتلال الإسرائيلي يعكس أشكالاً من الاستعمار والفصل العنصري (أبارتهايد)، مما يتعارض مع القانون الدولي." واقترح أن يتم عرض موضوع "التبعات القانونية لهذا الاحتلال طويل المدى، الذي تظهر فيه خصائص الاستعمار والفصل العنصري (أبارتهايد)" على محكمة العدل الدولية.

وتؤكد النقاشات الحالية في إسرائيل التي ترمي إلى وضع قيود أشد على الفلسطينيين، بمن فيهم من يحملون الجنسية الإسرائيلية منذ عام 1948، وتهدف إلى إعلان إسرائيل دولةً قوميةً لليهود فقط، المنطلقَ العنصري لقوانين إسرائيل وإجراءاتها بحق الفلسطينيين.