أسوأ قطاع يمكن أن تعمل به هو القطاع الصحي بلا منازع، فلا يمكن أن تجد موظفا يعمل في هذا القطاع ويشعر بالامتنان لعمله أو لرئيسه أو حتى للمرتب الذي يتقاضاه، ولو طلب مني أي فرد من أسرتي نصيحة فيما يتعلق بشأن دراسته الجامعية، لقلت لهُ أن يختار أي تخصص في الفضاء والميكانيكا والسباكة، على شرط أن يبتعد عن الدراسة المتعلقة بالمجال الصحي، والأسباب كثيرة ومتعددة، فالعمل في هذا المجال محفوف بالمخاطر، ومهلك جسدياً ونفسياً، حيث يواجهه الموظف من خلاله شتى أصناف الضغط النفسي، فإلى جانب التعامل اليومي مع الجمهور، ومحاولة الموظف البائسة لكي يبدو جيداً ومهذباً، فهناك التعامل السيئ الذي يواجهه من رؤسائه، والرؤساء مضطرون لمعاملة موظفيهم في هذا القطاع بشكل سيئ، بسبب الضغط المُزعج من قبل الإدارة العليا، التي تجلس في مكتب يكفي لأن يجلس فيه عشرة موظفين، وكل ما تقوم به هو مراقبة أعمال الموظفين، دون أدنى شعور بما يواجهه هؤلاء الموظفون ابتداءً من مهنة الطبابة والتمريض إلى أخصائي وفني الأشعة والتنفس والعلاج الطبيعي والتغذية.

لذا، ليس مستغرباً أن تجد ممرضة بعد دراسة مُضنية لخمسة أعوام، وشهادة بمعدل مرتفع، بعد عام أو عامين تطلب نقلها للعمل في أي مجال آخر، حيث تقل الرغبة لديها ولغيرها من زميلاتها في العمل مع المرضى، ليس فقط بسبب نظام ساعات العمل، ولكن لشعورها العميق بالإحباط، ابتداءً من الراتب الذي لا يكفي الحاجة، وانتهاء بسوء التعامل مع رئيسة القسم التي هي أيضاً تشعر بالقلق جراء ما تتلقاه من تهديدات بإقصائها من عملها، لو حدث تقصير ولو بسيط من قبل موظفاتها اللاتي يعملن تحت إشرافها.

العمل في القطاع الصحي مُتعب وسيئ، وأتمنى مستقبلاً لو تجرى قياسات خاصة على أي موظف يعمل في هذا القطاع، من أجل إيجاد حلول سريعة.

ففي كل عام تخرج كلياتنا الطبية وجامعاتنا أعدادا كبيرة وهائلة من ممرضات وممرضين، وفنيين وفنيات في شتى التخصصات الطبية، لكن للأسف سوء التعامل مع هذه الفئة العاملة، يجعلهم غير راغبين في مواصلة تألقهم في العمل، ويجري معظمهم البحث عن بيئة عمل بديلة ومختلفة تماماً عن تخصصه.

ولكني أجد سوء الإدارة الطبية يتجلى بشكل فاقع، حين تقوم بتحويل عدد كبير من الممرضات السعوديات، إلى إداريات أو موظفات يعملن أعمالاً مكتبية لا علاقة لها بالمرضى، فيما يتم سد الثغرة بطلب ممرضات بأعداد كبيرة من جنسيات مختلفة، وحينما تسأل الإدارة عن السبب فتأتيك الإجابة، أن الممرضة السعودية غير قادرة على تحمل الضغط الكبير أثناء عملها كممرضة، وعدم شعورها بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وتكرار غيابها، وكثرة أعذارها التي تجعلها غير قادرة على التركيز أثناء عملها مع المرضى.

ربما يكون الأمر حقيقياً جداً، لكن الحقيقة القاسية التي تشعر بها الممرضة السعودية، حينما تستلم شيكاً يتكون من رقم واحد مع ثلاثة أصفار، فيما تتجاوز رواتب الممرضات من أوروبا وجنوب أفريقيا الرقمين بالتأكيد مع وجود الثلاثة أصفار، وهناك فارق كبير وهائل بين راتب المواطنة والأجنبية، والمضحك في الأمر وأنا متأكدة منه تماماً، أن معظم الممرضات الأجنبيات لا يحملن شهادة البكالوريوس في التمريض كما هي الممرضة السعودية، وإنما يحملن دبلوم تمريض، ورغم ذلك يتم التعامل مع شهاداتهن وكأنهن حاصلات على الدكتوراه، وليس هذا فحسب، ولكن ما أزعجني جداً في هذا القطاع "المريض"، والذي يحتاج إلى إنعاش فوري، أن الممرضة أو الفني الأجنبي يتلقيان منحا كثيرة في حضور مؤتمرات ومنتديات طبية خارج السعودية، وتجد الممرضة الأجنبية تسافر على حساب المستشفى لأكثر من مرة لحضور منتدى طبي، في حين أن الممرضة السعودية "محلك سر"، ولا يتم الالتفات لها أو حتى تشجيعها أو دعمها للمشاركة، فيما أن هذه الممرضة بعد عام أو عامين، تقوم بالبحث عن عقد آخر في بلد آخر، تبهرهم فيه بعدد الدورات والمؤتمرات والملتقيات التي حضرتها أثناء عملها في المملكة. بالذمة أليس هذا أمرا يدعو للغضب والحنق من قبل الممرضات السعوديات، اللاتي لا يجدن من يدعمهن أو يقف معهن، في حين أن نظيرتها الأجنبية والحاصلة على شهادة البكالوريوس، تتكفل إدارة المستشفى بدفع ما يقرب من 80% من القيمة المالية، إذا ما رغبت في إكمال دراستها العليا.

أعرف عددا كبيرا من الممرضات وتحديداً من ذوي الجنسية الآسيوية، بمجرد حصولهن على درجة الماجستير يتركن العمل في المملكة، ويقدمن طلباً للعمل في أميركا، فأريد أن أعرف من هو الرابح في هذه المسألة، هل وظيفتنا تقوم على طلب تعيين ممرضات حتى نؤهلهن للعمل في الخارج أم ماذا؟

والأمر ينطبق على الأخصائيين الفنيين السعوديين ونظرائهم الأجانب، ضغوط هائلة من العمل المتراكم، ودون أدنى تقدير للكوادر البشرية السعودية.

نريد الحل؟