انتبه عزيزي المواطن من "خديعة التعصب"، فمن يوهمك بأنه في صفك على أساس طائفي سيطعنك في ظهرك على أساس مناطقي، ومن يوهمك بأنه في صفك على أساس مناطقي سيطعنك في ظهرك على أساس عرقي قَبَلي، وهكذا.. وصولا إلى من يوهمك بأنه في صفك على أساس قبيلتك، ليطعنك في ظهرك على أساس ميكروسكوبي أصغر وأحقر، فيصل إلى داخل بيتك فيلمز خالك أو يهمز عمك، وهكذا.. والسبب ببساطة أن الاصطفاف على أسس فئوية عرقية أو طائفية، هو اصطفاف غريزي لا عقلاني، يلجأ إليه الدهماء لصناعة حميمية كاذبة، لمكاسب وهمية يستغلها عشاق قيادة الغوغاء، وأهم ميزة في قيادات الغوغاء كرههم الشديد لكلمة قانون ونظام.
أحد أهم القراءات التاريخية لموضوع الخوارج أنهم فئة كانت تعاني تهميشاً على المستوى السياسي من قبل الرموز القرشية ما بين الإمام علي ومعاوية، وكانوا يميلون للإمام علي في البداية لما يرجونه فيه من عدم التمييز على أساس عرقي، ويتوقعون حقهم في المشاركة السياسية فيما لو ناصروه، أكثر من أملهم فيما لو انتصر معاوية.
الغريب في الخوارج أن مخرجهم الوحيد للمشاركة السياسية ضد (قرشية) الإمام علي بن أبي طالب وقرشية معاوية بن أبي سفيان الأموي، أنهم كانوا من "القراء" حفّاظ القرآن، وعليه فقد وجدوا في مسألة "تحكيم كتاب الله" منفذا يصنع لهم معادلا موضوعيا للشرعية "القرشية" بين علي ومعاوية يغنيهم عن التبعية لأحدهما، وهي شرعية "تحكيم كتاب الله"، رغم أن الإمام علي أوضح لهم: أن كلام الله بين دفتي مصحف لا يستخرج ما فيه إلا الرجال، وعليه فسيستخرج رجال كل فريق ما يعضد صراعه ضد الآخر، ولكنهم تجاهلوا ذلك كي يصلوا من خلال رفع مسألة "تحكيم كتاب الله" إلى مستوى يوازي شرعية علي ومعاوية في "الأئمة من قريش"، وبذلك يستطيعون حتى تكفير الإمام علي نفسه، وقد فعلوا ذلك بدم بارد وقتلوه بدم أبرد، بحجة أنه ترك تحكيم كتاب الله ورضي بتحكيم الرجال!!
هذا الاستعراض الموجز هدفه الوصول للقرن العشرين الميلادي الموافق للقرن الرابع عشر الهجري "القرن يعادل مئة سنة للتذكير!!"، لأسأل بكل بساطة ما الذي يعني "المملكة العربية السعودية" كدولة حديثة في هذه الحكاية؟!.. لا يعنيها شيء، فعلى المستوى الدستوري كدولة حديثة لا يوجد أي تمييز بين شيعي أو سني، صوفي أو حنبلي، شمالي أو جنوبي، التمييز الوحيد هو الكفاءة التي يتم تحصيلها بالتعليم المجاني في كل مراحله وصولاً للتعليم العالي، ولهذا كان برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي شاهداً حقيقياً على ذلك إذ لا يوجد بيت أو أسرة على مختلف الطوائف والمناطق والقبائل والألوان إلا وفيها مبتعثة قبل المبتعث، والفيصل فيها الكفاءة والنظام ـ إنه بحق استراتيجية وطنية لمستقبل قادم ـ إذاً أين المشكلة؟
المشكلة ببساطة في تفعيل نظام كل وزارة وكل هيئة حسب اختصاصها وحسب التوجيهات الصادرة إليها ابتداء، كوزارة تمثل النظام السياسي ولا تخلط أوراقها، سأوضح بمثال سياسي مفهوم الدولة الحديثة ومعنى خلط الأوراق: كلنا يذكر الرئيس المخلوع مرسي، وكلنا يذكر خطابه في الملعب الرياضي وهو يتكلم بلغة الواعظ عن الجهاد! وإلى هنا نقف لندرك الخلط غير المقبول بين مفهوم الدولة الحديثة ومفاهيم "النفرة في سبيل الله قبل ألف وأربعمائة سنة" فكيف لرئيس دولة عربية يملك جيشا من أقوى الجيوش العربية يستنفر عموم الناس للجهاد، ما هذه المغالطة التاريخية والقفز الأعمى على حقائق الواقع وممكنات الزمان والمكان.
وعليه فعلى مستوى الرأي، لا يمكن أن يتم قبول أي تداول لخطاب جهادي على المستوى الشعبي نهائياً، فالخطاب الجهادي بتفاصيله الفقهية يجب أن يكون من اختصاص الشؤون الدينية بالقوات المسلحة، تقوم به إدارة التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة وفق ما تراه مناسبا كعقيدة قتالية لمنسوبيها العسكريين، أو ما ترفعه في حالات استثنائية للملك من فتح باب التطوع بإشرافها ـ كما حصل في حرب الخليج ـ، وأي خروج لهذا الخطاب خارج دائرته النظامية، هو تفعيل واجترار للعبة الخوارج في إيجاد أرضية لمساومة النظام السياسي على القيم الدينية لشعبه.
كلنا يذكر أزمة الفيلم المسيء للرسول الكريم للمخرج الدنماركي، في تلك الفترة كان من الواضح أن كثيراً من الفاعلين للانفعال الشعبي لم يكونوا يهرولون إلا باتجاه مواهبهم في "إدارة التوحش" لإحراج الدولة، وإلا هل يعقل أن تتخذ الدول من بعضها مواقف لأسباب فردية تخص مواطن أو فئة صغيرة لا تمثل الدولة، ولا تؤثر في سيادة الدولة المقابلة!؟، ولأن كثيراً من الوعاظ يشتم ويلعن أصحاب الديانات الأخرى ـ قبل الفيلم الدنماركي وبعده ـ ويرجو من الله أن يشتت شملهم وييتم أطفالهم، تخيلوا لو قامت الدول بمقاطعتنا بحسب مفاهيم أصحاب الركض الانفعالي العاشق "لهَبَّة الغوغاء" كيف سيكون حالنا؟!، والمؤلم أن الانفعاليين ما زالوا يقتاتون بالقضايا الهامشية بشكل لا إنساني، فيه من الاستغفال المخيف ما يجعلهم يتعاطون مع قيم الحرية لقمع الحرية، ومع النظام والشريعة كأنهم النظام والشريعة.
كل الألعاب البهلوانية منذ مزايدات "إخوان السبلة"، وصولاً إلى "إخوان قطب"، لتوجيه الحكومة نحو مفاهيم القرون الوسطى للدولة الدينية، تثبت أن الخاسر الوحيد هم هؤلاء الحمقى، الذين لا يريدون استيعاب الدروس أبداً أبداً، لنراهم يكررون أخطاءهم، ليتكرر تأديبهم، فهل السبب يعود إلى حاضنة خفية غابت عنا طيلة كل هذه العقود؟ نعم.. الحاضنة الخفية هي عدم تفعيل الاختصاصات النظامية لكل جهة بالشكل المأمول، فمن المعقول جداً في الاختصاصات أن تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية بالإشراف على كل جمعيات تحفيظ القرآن، ومن المعقول جداً أن تشرف وزارة العدل على إدارة السجون بمديرين مدنيين لتتوافق والمعايير الدولية، وأن يتم دعم هيئة الأمر بالمعروف في الاهتمام باختصاصها دون المزايدة على دور رجال الأمن العام بمختلف قطاعاتهم، وأن يتم التوسع في مؤسسات المجتمع المدني لتستوعب كل ما يطمح إليه الشباب من "رابطة، ونقابة، جمعية...إلخ" بشكل أكثر مرونة واتساعا لتصبح ظاهرة اجتماعية طبيعية، لنجد الشاب في العشرين ينتمي لتجمع مدني متاح يتوافق وحرية إطلاق المواهب والملكات تحت غطاء نظامي، وألا توجد وزارات وهيئات في الدولة تكاد تكون محتكرة من قبل رجال مذهب فقهي واحد، إن مثل هذا مؤشر للإجابة عن سؤال تكرار الخطأ من قبل هؤلاء الانفعاليين "الصقاعين"، إذ يقرؤون الدولة وفق مكتسبات وغنائم "ما قبل الدولة"، بل ويؤكد في "لا شعور" المواطن الراغب في حفظ حقوقه ضرورة اجترار التعصب التاريخي على المستوى الديني، أو حتى على المستوى القبلي، رغبة منه في الحصول على وهم حفظ حقوقه "الوطنية" بطريقة "غير وطنية"، رغم أن "النظام الأساسي للحكم" يدعم المواطنة ضد التعصب بكل أنواعه، إذا فمن واجبنا أن نكذب هذه القراءة الساذجة، حيث إن الدمدمة بالرماد على الجمر لا تطفئه، بقدر ما تجعله قابلاً للاشتعال، فرجال "السبلة" ليسوا أعضاء في حركة "حسن البنا"، و"السرورية" المحظورة ليست من سلالة "جهيمان"، لكن كل اجترار للماضي يشده طمع في باطل، أو حق دليله أعمى، أما النظر للمستقبل فيسبقه عدل ترجوه الأنفس، في همة تقود أملا يرجوه كل "مواطن"، كواجب على كل ذي ضمير، تحت شعار (الله ثم المليك والوطن).