تعبت من جدي ومن مجوني

من كل ما في عالمي المشحون

من مسرح محنط الفنون

مشاهد باهتة التلوين

أغنية رديئة التلحين

امرأة شابت فما تغريني

برمت بالمسرح.. أخرجيني

مري بكفيك على جبيني

وقبل أن أرقد.. ودعيني

المدخل السابق نص من قصيدة الحمى لغازي القصيبي ورمز لها بامرأة شابت كما رمز المتنبي لها ببنت الدهر، والحمى تناسب عالمنا المحموم اليوم!

يستخدم بعض الناس في تعريفهم لأنفسهم بيت الإمام الشافعي الشهير - رحمه الله -:

أحب الصالحين ولست منهم

لعلي أن أنال بهم شفاعة

وهذا البيت بقدر ما يحمل ورعا شديدا يردده اليوم من يلذ لهم ارتكاب المعاصي باسمه!

ونرى من جانب آخر أننا أصبحنا نمتلك براعة في التصنيف تجعلنا من "بني ليبرال أو بني صحيون" أو مفككين لخطاب مفكك أصلا؛ ويبدو أن هذه المهارة انتقلت لنا من مدرجات الرياضة ومجالس العصبيات البغيضة والساحات الإلكترونية.

لو دعوت لسجين ليبرالي أن يفك الله سجنه فهذا الدعاء يحولك إلى عدو لله ورسوله أو حتى عدو للوطن، كما أن إنصافك لمتهم أو طلب التريث بحق تهمته يحولك إلى مذنب ومن حزبه!

أنت ليبرالي، وأنت جامية، وهو إخواني، وهم روافض، أو هما زنديقان، ومن مطالب بحز الرؤوس، إلى مطالب بسحق الجماجم، إلى فضائح أخلاقية، وانتظرنا أن يخلو لنا وجه أبينا فنصنف لنغدو من بعده قوما صالحين!

سبقني متحدثون عن خطورة الفكر التصنيفي العشوائي على وحدتنا الوطنية؛ وهو الذي يلقي التهم جزافا ويرى نفسه يتسلق للمعالي بالتهجم على الآخر مواصلا اتهامه بما لا دليل عليه ولا سبيل لرده!

هذا جانب من خطورته والجانب الآخر في نظرته الأحادية غير الصادقة أنه خلق أوهاما اجتماعية تقلق المجتمع: فبين فريق يعيش في ملكوت تفسير الأحلام ويستمر نائما ليحلم من جديد بالخلاص القادم على جناح رؤية تحيل المستحيل ممكنا، إلى فريق آخر انشغل باليوم الآخر ليس عاملا له، بل ملاحق علامات الساعة، كما تقفز إحدى صديقاتي الجميلات معلقة على كل خبر مخيف (حسبي الله عليهم هذي من علامات الساعة)!

ومن أوهامنا الاجتماعية نزول التهم السياسية لأرض الواقع، فنخاف من بعض المطاعم لأن عقيدة العاملين بها.... ونتجنب استخدام شركة اتصالات ونحاربها، لأنها تنتمي لطائفة أو فرقة دينية لدرجة أحيانا أخشى أن أفتح الثلاجة فيخرج لي صفوي أو ينساب مع ماء الحنفية إخواني أو يدخل جامي مع العاصفة الترابية القادمة!

شقاء ما بعده شقاء، يطالنا اقتصاديا ويستنزف أرواحنا وعقولنا أيضا، فيجعلنا فريسة سهلة لأكاذيب يطلقها المتنافسون تجاريا بغير شرف، وينسينا أن نبحث في جودة الخدمة المقدمة أو مصداقيتها فيكفي أنها ليست مقدمة من ضدنا الفكري!

لنعد بالزمن للوراء بضع مئات من السنين، لعصور الانحطاط ؛ هل تعلمون أن هذا التصنيف أوقع بعض أتباع المذاهب الأربعة في تحديد مساجد خاصة لكل مذهب، فلا يصلي أتباع مذهب أبي حنيفة في مسجد أتباع الشافعي أو مالك، بل حتى حمل بعضهم السلاح دفاعا عن إمامه وسالت الدماء! علما بأن الإسلام لم يكن مذهبا في يوم من الأيام، والمذاهب تكونت بعد اجتهادات فقهية تلت قرني الإسلام الأولين!

ألا يذكركم هذا التصنيف بالمساجد بمساجد دول عربية؟!

ولو عدنا لبيت الشافعي نجد له ردا لطيفا منسوبا لابن حنبل يؤكد تزكية جميلة يقول فيه:

تحب الصالحين وأنت منهم

رفيق القوم يلحق بالجماعة

وتكره من بضاعته المعاصي

حماك الله من تلك البضاعة

تجاوزنا مرحلة تكالب الأمم علينا، فأصبحنا نتكالب على أنفسنا ونهدم بنياننا الحضاري ونحن لا نزال نحتاج أن نعمل بكل طاقة لإكماله!

حين احتجنا لشق الطرق وركوب الطائرات وإنشاء مترو، لم نبحث عن فقيه، بل بحثنا عن مبدع؛ وحين نمرض ونحتاج لعلاج غير متوافر هنا، لا نبحث عن حافظ للمتون، بل عن طبيب ومستشفى وصيدلية بأي أرض وتحت كل سماء، وحين نحتاج لزراعة قلب أو كلية - لا قدر الله - فلن نسأل أهي كلية ليبرالي أو اشتراكي أو رافضي!

مجتمعاتنا العربية تحتاج لرغيف الخبز وسرير المستشفى وأعضاء تعويضية لضحايا الحروب والتفخيخ وحتى حوادث السيارات، كما تحتاج لطرق ممهدة ولوسائل مواصلات مريحة وغير مرهقة، ويحتاج العربي لعمل يناسب إمكاناته، وقبلها لتأهيل يعينه على اكتشاف ملكاته الخاصة وتطويرها ويجعله عاملا.

حين كان غازي القصيبي - رحمه الله - وزيرا للعمل، وتم حصر الشباب العاطلين، تفاجأ من قاموا بهذه المهمة بحضور عدد من الشباب الذين أخفقوا في مراحل التعليم الابتدائي، ولا يملكون أي مهارة يقدمونها للعمل، أو يتقدمون بها، حتى الملف العلاقي الذي أحضروه، ولا يتجاوز ثمنه ريالا كان قديما وبحالة مزرية، ولا يمكن نسبة هذا للفقر، بل للوعي لأن الشاب لو أراد حضور مناسبة اجتماعية لن يحضرها إلا بأفضل هيئة ممكنة.

لنعد لتهمة التصنيف والتشكيك. برأيي أنه تجب مواجهتها، وإقامة قضايا للادعاء العام على مطلقيها وإعلاء قيمة الإنسان، وحقه في التعبير والتصريح برأيه دون خوف أو تهجم على الآخر، ومن هنا يبدأ بنياننا بالاكتمال ونصبح من الصالحين!