ربما تذكرون قبل سنوات مضت، عندما كانت قناتنا السعودية تعرض برنامجا أميركيا عن الأفلام المنزلية التي يلتقط مشاهدها الآباء والأزواج ويصادف لقطات طريفة لا تخلو من الفكاهة.
كنا كسعوديين أيضا، لدينا مشاهدنا العائلية التي سجلناها بكاميراتنا، والتي اعتدنا الحفاظ عليها في مكان يجعلها أهم من المال تقريبا، لكن بعد انتشار أجهزة الجوال الذكية والمحملة بكاميرات وذاكرة أصبحنا نلتقط كل شيء ولأي شيء!
لا شك أن هناك من يستخدم تلك التقنيات لتسجيل اللحظات الأهم في حياته، كما أن هناك من يستخدمها للفكاهة ومن حيث لا يدري تظهر للناس، فمن أين ينبع هذا السلوك بالضبط؟
وصلني بطريقة ما فيديو قامت بتسجيله فتاة أو امرأة سعودية، لفتاة يبدو أنها أفريقية تعمل لديهم، ويظهر المشهد إجادتها للغة العربية وإظهارها لمظهر سعودي في لبسها وحديثها، وهذا مهم جدا في نظري لأنه يظهر كم تحترم الفتاة بيئتنا وكم هي ذكية لأنها أجادت اللغة واللهجة.
في المشهد، تسأل الفتاة السعودية الفتاة الأفريقية سميرة فتقول: سميرة أنت "زينة"، بمعنى جميلة، فترد سميرة بثقة: إيه والله إني زينة، فترد عليها: لا تحلفين، كأنها تحقرها أو تحاول إرغامها على نزع الثقة في جمالها وأنوثتها!
سميرة بالفعل كانت جميلة جدا، وبالمواصفات العالمية التي تقدر المرأة السمراء لعوامل عديدة، أهمها صفاء البشرة الذي تفتقده البشرة الفاتحة، كما أن العرق الأفريقي يتميز بجمال تناسق الجسد وهو ما يفتقده العرق الأوروبي أو العربي.
أتساءل: أي شيء جعل فتاتنا السعودية تتصرف بهذا السلوك غير الأخلاقي، بدءا من تصوير سميرة ومن ثم نشره وما حدث خلال الفيلم من محاولات للانتقاص؟
هل هذا السلوك هو ما عليه شبابنا وبناتنا؟ كيف وصلنا لمثل هذه النماذج البشرية غير القادرة على أن تكون أكثر إنسانية أو حتى أكثر إنصافا؟
في الواقع، ليس هذا الفيلم هو ما يكشفنا لأنفسنا فقط، هناك غيره الكثير، مثل الفيلم الذي يضرب فيه الرجل العامل، أو الآخر الذي سجل انتهاكه لعرض متسولة، أو حتى ذلك الذي عرض جلده لأطفاله أمام الملأ وهم يصرخون ويتوسلون الرحمة، أو معلم القرآن الذي وقف يجلد الصغار في بيت الله عز وجل، ناهيك عن استغلال العاملين المنزليين في تصوير مشاهد فكاهية تسخر منهم ومن إنسانيتهم!
أنا على يقين بأن هؤلاء الشباب لو نهرتهم على هذا الفعل لأجابوك: لماذا؟ ماذا فعلنا؟ وهذه الطامة الكبرى؛ لأن هذا أصبح عرفا لديهم أنه جائز وفعل عاقل ومجرد فكاهة الغرض منها الإضحاك، دون أدنى اعتبار لإنسانية الشخص المستغل في المشهد.
إن صناعة القطارات والأنفاق والمطارات وقيادة أحدث السيارات وبناء الجامعات ليست كافية مطلقا لنكون شعبا متحضرا.
تجاهل تربية النشء على السلوك القويم يبدأ من تركنا لأخطر مرحلة في عمر الطفل وهي رياض الأطفال بأيدي أسرته التي تولي مسؤوليته لعاملة منزلية لم تتلق أدنى درجة في التعليم!
لتمر السنوات السبع الأولى والمعدة لتلقي المبادئ والقيم بلا أدنى استغلال لها؛ فينطلق داخل الحياة خالي الوفاض فينتهي عنصريا إقصائيا يسجل الأفلام القصيرة ليتفاجأ الناس بمفاخرته بفعل تعارفوا على قبحه ودناءته!
من جهة قريبة من هذا الموضوع، لا وجود للتعليم الإلزامي له في بلادنا، فالطفل ملك أبويه يحددان مستقبله وما يريدان أن يصبح؛ جاهلا أو متعلما، يحضر للمدرسة أو يغيب، يشارك في الأنشطة أو لا يشارك.
وهو نقيض ما يحدث في العالم المتحضر، حيث يعد الطفل مستقبل الدولة والمجتمع؛ فيكون التعليم إلزاميا من رياض الأطفال حتى الثانوية العامة، ويُساءل الأبوان عن أي سلوك غريب أو انقطاع عن المدرسة؛ فيدفع غرامة مالية عن كل يوم، ويُساءل كذلك عن صحته.
إن أفلام الفيديو هذه تكشف بلا شك عن خلل أخلاقي كبير بين شبابنا؛ مما يحتم على وزارة التربية والتعليم المبادرة لرتق هذا الخلل، فأجيال المملكة مسؤوليتها أولا وأخيرا، وإن كان هناك مسؤولية على الأبوين فتحتاج لمتابعة الدولة.