للتطرف حيوية كامنة فيه تشكل إرادة سلبية دافعة لكل سلوك عدائي يبادر إليه المتطرفون، وتلك الحيوية نتاج قناعات يتم غمسها قسرا في عقول مهيأة للتعاطي معها، في سياق تنظيمي فاعل، يستهدف الأمن المجتمعي والوطني، وبالتالي هناك روح تدميرية تلازم التطرف وتمنحه الطاقة التي تجعله يستمر ويتجدد في حالة أشبه بما تفعله الأفعى في سلوكها البيولوجي بتغيير جلدها، وهنا نصطدم بواقع ينبغي أن نعيد فيه رؤيتنا للأمن، بوصفه حالة أكثر منه إجراءات روتينية قابلة للتطور بحسب تطورات السلوك العدائي وجرأته.
حين يكون الأمن حالة، فذلك يعني الدخول إلى العقل الإجرامي، ومحاولة تنظيمه وتعديل "ميكانيزماته"، ومعافاته من الفكرة الإجرامية، فالشخص لا يكون مجرما بالفطرة، وإنما يتعرض لضغط عقلي رهيب من بعض أولئك الذين يطلق عليهم "حراس البوابة"، وهم قد ينظّرون أو يفتون أو يبدون الرأي الضاغط على عقل المستهدف، وفي تلك الحالة لا يمكن أن نتعامل في سياقات ومسارات إجرائية أمنية، وإنما بجهد فكري مواز، يطلع به فكر تقويمي سليم مضاد لما تم غرسه من اجتهادات أضلت واستعدت تلك النفوس الحائرة على أوطانها ومجتمعاتها.
وهي في الواقع حالة تختص بالمسار الديني أكثر من غيره، فليست هناك، على سبيل المثال، شيوعية متطرفة أو ليبرالية وعلمانية جامحة في مجتمعاتنا، وإنما تحت ستار الدين أمكن تضليل الآلاف وتجنيدهم لصالح مشروعات وهمية؛ من أجل تقويم الدين والدنيا، وذلك كان نتاج شغل عقلي ضخ في عقولهم أفكارا لا تتوافر لها معقولية المعنى.
وفي الواقع، فإن التطرف الديني المعاصر يبدأ في صورته الحاسمة ببذرة ونواة تنظيم القاعدة؛ لأن هذا التنظيم نجح في تكوين قاعدة تنظيمية منظمة أكثر من غيره من التنظيمات، وفي ذلك تبرز حيويته إلى أن تم القضاء على زعيمه وقياداته القاعدية، وهو الأمر الذي أفضى إلى ظهور تنظيمات أخرى على ذات النسق المتطرف في مراحل لاحقة قادها أتباع للتنظيم، فكان أن ظهرت جماعة التوحيد والجهاد بزعامة أبي مصعب الزرقاوي في العام 2004، الذي أصبح لاحقا تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، ثم تلا ذلك تكوين الدولة الإسلامية في العراق في العام 2006، إلى أن انتهينا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي يعرف بـ"داعش".
تلك المسيرة المتطرفة تتناسل وتتوالد فكريا واستقطابيا بحفز فكرة محورية، وهي إعادة الخلافة الإسلامية، وتطبيق الشريعة بقوة السلاح، وهنا يبرز عامل العنف والتسلط وتخريب القناعات، وذلك سهل نظريا، حين يتم اصطياد المستهدفين، والتمدد بهم قطريا وإقليميا لحمل لواء فكرة تبدو مقدسة ومغرية لكثير من التائهين للقبول بها، ويعزز ذلك ما حدث حين تم إلقاء القبض على خلية تابعة للتنظيم من 62 متورطا، من بينهم 35 من مطلقي السراح في قضايا أمنية وممن ما زالوا رهن المحاكمات، وتأتي فكرة التناسل الفكري في تمكن عناصر من الخلية في مناطق مختلفة من السعودية التواصل بعناصر أخرى من التنظيم الضال في اليمن مع قرنائهم من أعضاء التنظيمات الضالة في سورية.
تجارب كثير من التيارات الدينية تكشف عن اختلالات فكرية وفقهية عميقة في الفكر الديني المعاصر؛ لأن السلامة الفكرية تنتفي في هذا الإطار، من واقع العبث الذي قام به أولئك الذين أنتجوا خلايا العنف والإرهاب، ولا مفر من وضعها جميعا في سلة واحدة، إذ تتشابه ظروف أنشطتها وانتهاءاتها العقدية القائمة على عبث عقلي بالصغار واستصحابهم في برامج تربوية مؤثرة ونافذة في عقولهم ووجدانهم، ولا يتوقع أن تشكل أي توبة محتملة أو مفترضة للغاوين لهم ردة فعل إيجابية تستعيدهم مما هم فيه من تضليل وزيف إيماني.
وإزاء هذه الحالة، فإننا مواجهون بفكرة حاسمة قائمة على الاستخدام العقلي لأي أدوات يمكن أن تخترق الصلابة العقدية التي تكونت في مراحل مبكرة من أعمار الضحايا المتطرفين، وإحداث الثغرة الضرورية للنفاد إلى وعيهم وتغيير قناعاتهم.
تغيير الخطاب الفكري إزاء توالد الأفكار المتطرفة واحتفاظها بالحيوية العدائية أمر مطلوب وضروري، بحيث يحدث التأثير الفاعل في بنية الخلايا النائمة، ويعبر إلى الواقعين تحت سيطرة قادتهم؛ لأن هناك دوما ضغطا عقديا سلبيا يمارسه المتطرفون على الضحايا والقابلين للتطرف، ولعل أحد أكثر القياسات الناجحة في محاصرة الأفكار الشاذة والمتطرفة، ما حدث في مواجهة النازية وسيناريوهات الجنس الآري. يمكن اقتباس نهج مماثل يسيطر ويحاصر ومن ثم يسقط الفكرة بالضربة القاضية.