في دعوة كريمة من مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، حضرت حلقة النقاش التي أعدتها الأمانة العامة في المركز، ودعت إليها بعض كتّاب الرأي والمثقفين والمهتمين بالحوار؛ لعرض ومناقشة التجربة التي قام بها المركز خلال السنوات العشر الماضية، ومناقشة ما يمكن فعله مستقبلا، من خلال استشراف رؤى وأفكار المدعوين حول هذا الأمر المهم.
لقد كان العرض كبيرا، والجهود مقدرة من المركز، في إسهامه في خلق ثقافة الحوار بين مكونات المجتمع السعودي، وكسر حالة "التوجس" من مفهوم الحوار، ومحاولة تطبيع الحوار؛ لأنه سلوك حضاري في المجتمعات الراقية، فقد قام المركز خلال السنوات العشر الماضية بعمل دؤوب في اللقاءات والدورات التدريبية، التي استهدفت قرابة المليون متدرب، والعناية بالمطبوعات والإرشادات التي تناسب مختلف الأعمار، وهي جهود تذكر فتشكر، والمسؤولون فيه يبذلون جهودا عظيمة جاءت استجابة لرغبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز؛ للعناية بهذا الأمر المهم، خاصة في وقت التغيرات الكبرى، ومحاولة ترسيخ اللحمة الداخلية، وإحلال مفهوم الحوار وتقارب وجهات النظر بين المختلفين، بدلا من لغة التخوين والاتهام والتصنيف والتعدي اللفظي والمعنوي على المخالف حتى يصبح الحوار سلوكا عاما في حل مشكلاتنا جميعا، سواء كانت فكرية أو ثقافية أو أسرية وغيرها.
ولكننا حين ننظر إلى تلك الجهود التي بذلها المركز منذ انطلاقه سنة 2004 إلى هذا اليوم وواقع الحال؛ نجد أن المسافات لما يؤمل وطبيعة الواقع بعيدة جدا، وأننا مانزال في بداية الطريق، وأن القضية تحتاج إلى مضاعفة الجهود التوعوية والتربوية، التي تصحح نظرة المجتمع إلى الأمور، وإحداث النقلة المنهجية والتصورية في الوعي والسلوك؛ حتى نضمن سلامة الوطن والمواطن، خاصة في ظل حركة الاستقطابات والتوترات العالمية والمحلية، التي تنعكس مباشرة على وعي الناس وإخراجهم من حالتهم الطبيعية إلى حالة من التذمر وعدم الرضى، وانعكاس ذلك على العلائق بين الناس، مما ينذر بوقوع مشكلات قد تبدأ صغيرة ثم تتضاعف مع الأيام، إن لم ندرك خطورة الأمر وضرورة الإصلاح والمعالجة.
وليس على من يريد أن يدرك خطورة الخلل الكبير في آلية وطريقة التعاطي مع قضايانا السياسية والفكرية والثقافية والدينية؛ سوى أن يجوب مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعد وسائل كاشفة للحالة المؤسفة التي نتعاطى فيها مع قضايانا الفكرية والخلافية، وكيف تتحول هذه المواقع إلى مسالخ بشرية تنشر فيها الفضائح والسباب والاستقطابات، وانعدام منهجية العلم والموضوعية، وما يواكب ذلك من التعدي على الهيئات والذوات والطعن في النوايا والفجور في الخصومة، وذوبان علائق الأخوة الدينية والوطنية والإنسانية بين المختلفين، وما يصاحب ذلك من حالة احتقان نفسي وشعوري تجاه المخالف، مما يدفع إلى التعبير عن هذه الحالة بأقسى الألفاظ وأبشعها قبحا وإسفافا.
إن مركز الحوار الوطني، لن يؤتي ثماره وأكله المرجوة إلا حين يكون التعاون معه ثقافة عامة، خاصة حين يبتعد التجار والشركات الكبرى والبنوك وعموم العلماء والمثقفين عن التعاون مع هذا المركز المهم، إذ لا بد من إسهام المجتمع المدني في هذه الحالة الاجتماعية المهمة، فمهما كانت ميزانية المركز وجهود العاملين فيه، إلا أنها لا تفي الغرض لاستيفاء أهدافه وتحقيقها، ولذلك نجد المركز بعيدا عن "الإعلام" وإنتاج المواد الإعلامية التي تصل لجميع شرائح المجتمع؛ بسبب ضعف الدعم وتكلفة الإنتاج ومشكلاته التي لا تنتهي، ولن يتم له ما يريد إلا بالدعم المادي من القطاعات الأهلية والتجارية كافة، التي هي مطالبة في الإسهام بحلحلة مشكلات المجتمع الحاضن لها، فهي منه وإليه، وثرواتها جاءت عن طريقه.
وكنت في أحد مداخلاتي قد عرضت أهمية أن تكون بعض "مصارف الأوقاف" للأفراد والأسر والمؤسسات الوقفية، متجهة إلى دعم مثل هذه المناشط المهمة، وهو جزء من تطوير مصارف الأوقاف وإخراجها من تقليدية الصرف؛ حتى يرى الناس أثر هذه المؤسسات الوقفية على القضايا التي تمس المجتمع مباشرة، وتسهم في حل مشكلاته والاهتمام بأولوياته.