مضوا يتوسدون آخر الأمنيات، وهم يعبرون الحقل المرشوش بماء المطر الليلي، ويمارسون النزق العذب والضحكات المتسعة كرحابة القرية، مرت بخواطرهم أيام رمضان حين تزهر أقدامهم بالركض إلى باب المسجد لحمل سلال الريحان ونثرها أمام المصلين كل مساء، استفاقت أحلامهم العطشى كسحابة بيضاء، واشتعل في دواخلهم جنون اللهفة انتظاراً لفجر العيد وهو يتسلل ويهبط من على كتف الجبل الشرقي، ليغشى الأرض الحبلى بالمسرات رغم أثقال الدهر العاثر، تحركت أقدامهم كالنطف في الأحشاء خوفاً من أن يجرحوا طين الحقل الرخو والمبتل فيتآكل ويعتل ويمرض، هكذا قال حكماء القرية، ساروا تتلألأ نجواهم في الدرب الموحش إلا من ضوء خافت ينسرب من (الكشاف) باعثاً ومضات كسولة، قاصدين المدينة التي تمارس طقوسها الاحتفالية في الليلة السابقة لصباح العيد. لينعم أطفالها بمباهج الحياة وأغنيات الفرح، انسلوا بين أزقة المدينة كالأسرار الخلابة، يتجولون في أسواقها بين الباعة والمشترين وضجيج حناجرهم الصاخبة، يغمرهم الذهول وشيء من الغبطة، وتتفتق في عروقهم الحسرة، وجذوة اليأس وهم لا يملكون القدرة على شراء لعبة فارهة، أو يحصلون على كسوة كالتي أبصروها على جسد طفل عابث، لوح أحدهم بيده الخشنة مشيراً إلى صبي يقتعد كرسياً خشبياً ويلتهم قطعاً من حلوى (الحلقوم) أحسوا بلسع الجوع في حلوقهم كخيول النار، وانثالت رياح الغبن على وجهوهم كأشواك التراب، حدق أحدهم خلسة وصرخ ملء فمه: ما هذه؟ سارية وأعمدة خشبية وحبل يتدلى من الأعلى، إنها (المدريها) أو (المراجيح) بلهجة أهل المدينة، سخر أوسطهم فقد أنجز مثلها حين ربط الحبل برقبة شجرة (الأثل) فسبقهم إلى ذلك الاختراع، انطلقت أساريرهم وضحكاتهم فجأة حين أبصروا الحلاق وهو يدعك بالرغوة وجه عجوز أثرم يشبه نائب قريتهم.

بدأ الخيط الأسود من الليل يتوارى، وهرعت نجوم السماء إلى خبائها على استحياء، وعادوا إلى القرية تثقلهم الأفراح المؤجلة، وندوب الأمل المستحيل.

تفرسوا وجه قريتهم وقد أسلمت جسدها للنعاس المراق بين الجدران الطينية، استدار كبيرهم وأمعن النظر في مشهد العيد. انسل إلى المصلى، وبدأ يزيل الحشائش والأشواك الجارحة، ويلتقط الحصى النافرة، لم يتوقف الآخرون فقد انطلقوا كمصابيح النهار يزيلون كل ما يؤذي المصلين، ويشوه قدسية المكان، أنجزوا مهمتهم قبل رفيف الصبح، وكم انفرط هديل الفرح في أعماقهم وهم يسمعون الدعاء لهم ينساب كأريج السلسبيل من حناجر المهللين والمكبرين، وأورقت البهجة فوق رؤوسهم وهم يرون عناق القلوب المثقلة بالخصوبة وتراتيل الأرض المتشحة برذاذ الشموس فكأنها تستحم بالرضا، وتغتسل بالطهارة واليقين، وتتمسك بعرى الحياة والأمل!.