أعرف كثيرا من زملائنا في كلية الشريعة رفضوا تولي القضاء، ليس لورع ولا زهد، وإنما لأنهم يعرفون طبيعة عمل القاضي والأمانة الملقاة على كاهله، ويعرفون أيضا طبيعة حياة القاضي المحايدة، وما يجب عليه في إدارة علاقاته بالناس قريبين وبعيدين، أغنياء وفقراء، رجالا ونساء، ورأوا أنهم غير قادرين على ذلك رغم كل المحفزات المادية.
يقولون عن التعليم رسالة سامية وعن الطب مهنة سامية، والحقيقة أن كل عمل شريف هو رسالة سامية، في العمل العام والخاص، حتى الإسكافي الذي يصلح الأحذية على قارعة الطريق بأمانة وإتقان يقدم رسالة سامية.
قد يخفق معلم في مادته أو يسرق أستاذ بحث غيره، أو طبيب يغش مريضه أو تاجر يخدع زبائنة، أو يتواطأ رجل أمن على الأمن، تهتز الثقة بهم وبمؤسسات عملهم، لكن يتم الإصلاح والعقاب بطرق إدارية تضمن صفاء البيئة المحيطة بالمواطن، ولو لم يتم الإصلاح والعقاب بسرعة لفقد المواطنون ثقتهم في المدارس والجامعات والأقسام والمستشفيات، ولذلك فهم يسارعون إلى المراجع يطلبون الإنصاف، فإن لم يجدوه فزعوا إلى الحائط الأخير، حائط القضاء، مؤسسة العدل والحق.
"العدل والحق"، بالله تأملوا المفردتين مرتين وثلاثا، أغمضوا عيونكم وتأملوا.
لدينا وفي كل أنظمة العالم يحاط منصب القاضي بمجموعة تشريعات وتحصينات لا تتوافر لأي منصب آخر؛ ابتغاء توفير أقصى درجات الأمان والراحة والاطمئنان له، ولا تضع فوقه سلطة تؤثر عليه؛ لأنه لا يقضي في حقوق الناس فحسب، بل في أموالهم وفي رقابهم.
القاضي وظيفته إحقاق الحق والعدل، المبدأ الذي من أجله بعث الله الرسل، وظيفة القاضي أن يكون خليفة الله في الأرض، فيقضي فيها بالحق والعدل.
في السنوات الأخيرة ظهر أن نفرا قليلا من القضاة اقترفوا ظلما، وتواطؤا على جور، وطمعوا في التراب والمال، وسيلقون عقابهم بالتأكيد، لكن فعلهم مسّ المواطن في العمق، وهز الحائط الذي يستند إليه.
القضاء وحده يجب أن يكون بعيدا عن كل شبهة، ونحن على يقين أن تحسين أنظمة التعيين والرقابة قادرة على أن تجعل القضاء أكثر المؤسسات ثقة وأمانة.
إنه القضاء يا قوم.