أظهر آخر تقارير التضخم الصادرة عن مؤسسة النقد ارتفاع نسبة التضخم للشهر الماضي على أساس سنوي وصولا إلى 6.1 %.

ولم يشهد الاقتصاد السعودي معدل التضخم هذا منذ أكثر من عام ونصف، أي منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية. لقد كان الارتفاع في الأسعار شاملاً لكل مجموعات السلع والخدمات، ولكن الارتفاع الأبرز كان في مجموعات الترميم والإيجار، إلى جانب الأطعمة والمشروبات والسلع والخدمات الأخرى. وتعطينا هذه الارتفاعات دلالة على أن السبب الرئيس وراء ارتفاع تكاليف المعيشة ليس ناتجاً عن ارتفاع معدلات السيولة، إنما عوامل خارجة عن سيطرة الاقتصاد السعودي. فمعظم منتجات وسلع هذه المجموعات، فيما عدا تكاليف إيجارات المساكن، مستوردة. وقد يلعب جشع التجار دوراً في زيادة تكاليف هذه السلع على المواطن، ولكن هذا الجشع ليس أمراً جديداً، فمعدلات أرباحهم كانت دائماً مرتفعة. لقد كان لارتفاع أسعار النفط الدور الأبرز في ارتفاع تكلفة مجمل الواردات إلى السعودية، فهي زادت في تكلفة النقل والمواد الخام وتكلفة التصنيع.

وقبيل اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، كانت أسعار النفط تسابق في تسجيل مستويات قياسية يوما بعد آخر، حتى تخطت حاجر المئة دولار. هذه الارتفعات تسببت بشكل مباشر في زيادة تكاليف الوارادات السعودية، وبالتالي تخطي معدل التضخم السنوي مستوى 10 بالمئة في العام 2008. ولولا اندلاع الأزمة في أواخر ذلك العام، لبقي معدل التضخم على مستوياته تلك ليتسبب في أزمة اقتصادية سعودية خالصة لأن الاقتصاد السعودي، النفطي وغير النفطي، ينمو بمعدلات أبطأ من معدل التضخم.

ولكن الخطر الأكبر يقع على كاهل المواطن الذي سيفقد دخلُهُ قوتَه الشرائية بعد أن فقد مدخراته في أزمات سوق الأسهم.

وتبنت الحكومة المعالجة السريعة في مواجهة معدلات التضخم حيث قامت بزيادة الأجور للحفاظ على نفس مستوى القوة الشرائية للمواطن.

ولكن هذا الحل ليس إلا إبرة تخدير موضعي تؤجل حل المشكلة إلى وقت لاحق. فاستمرار أسعار النفط في الارتفاع سيبقي أسعار السلع المستوردة ضمن مستوياتها الحالية على أقل تقدير. وإضافة إلى ذلك، فإن الأزمات الغذائية التي تعصف بأماكن متفرقة في أنحاء العالم كروسيا وباكستان، تؤكد استمرار الارتفاع في أسعار المواد الغذائية خصوصاً. ولذلك، فإنه من الضروري أن تتبنى السعودية استراتيجية لمكافحة التضخم كما تبنت استراتيجية لخفض البطالة في خطة التنمية الخمسية التاسعة.

وقد يكون من الصعب مكافحة العوامل الخارجية للتضخم، ولذلك يمكن للحكومة البدء بمجموعة الإيجارت والترميم كونها يمكن السيطرة عليها داخلياً. فالقطاع العقاري يشكو في الأصل من انعدام المعروض، وبذلك يضرب التدخل الحكومي المباشر في هذا القطاع عصفورين بحجر واحد.