هناك قصة طريفة تقول: "بعد رحلة شاقّة لحمار؛ وهو يتضور جوعا، ويكاد ينفق عطشا. ويضعه صاحبه وسطًا بين مِعلَف مملوء حبًّا، وسطل مملوء ماء. وينصب الحمار أذنيه، ويتساءل أيبادر بالأكل؛ ثم يثنّي بالشرب أم يبادر بالشرب؛ ثم يثني بالأكل. أي أكل فشرب أو شرب فأكل. ويحار الحمار، وهو يرجح ويزن الحسنات والسيئات، ويتأمل هذا وذاك، ليحسن صنيعه وتقديره. ويدير رأسه يمنة ويسرة؛ وقد تضايق به الأمر، من وقفته وسطًا.. فلو كان أقرب إلى السطل.. لربّما هرع إلى الماء.. ولو كان أقرب إلى المعلَف.. لربما هرع إلى الحَبّ.. والوقت يجري، وهو لا يتدبر أمره، ولا يدري أيرتضي الماء أولا، والعلف ثانيا أم العلف أولا، والماء ثانيا. ولكنه يداري قلقه، فيرفع رأسه، ويحرك أذنيه بين فينة وأخرى؛ وعيناه إلى سطل الماء حينا، فمعلف الحب حينا؛ فالمعلَف.. فالسطل.. ينهق ضعيفًا وكأنه يشهق.. وهو ينفق الآن جوعا وعطشا.. ولا هو يبت في الأمر ولا هو يقر بقراره.. وتخور قواه، وتتراخى قوائمه.. وتزيغ عيناه.. ويتهاوى ليموت جوعا.. أو ربما عطشا.. أو جوعا وعطشا في آن واحد".
لم تكن هذه الحكاية قصة من صنع الخيال، أو من أساطير الفيلسوف اليوناني أيسوب، أو من حكايات كليلة ودمنة، بل كانت تجربة علمية أجراها فيسلوف فرنسي وهو جون بروديان (1298 - 1366)، وهو الذي أعاد اكتشاف نظرية الاندفاع، في نظريته (Th’orie de l’impetus ) لكي يناقش قوة الاختيار واتخاذ القرار. وسميت هذه التجربة باسمه وصار لحمار بورديان لوحات فنية في أغلب متاحف العالم.
أما التعريف في المعجم الفلسفي الصادر عن مجمع اللغة العربية تحت رقم 421 فهو: "حجة لتأييد حرية الاختيار، ومؤداها أنه لو لم تكن هناك هذه الحرية ووضع حمار على مسافة واحدة من الماء والعلف لما استطاع أن يرجح جانبا على الآخر ومات جوعا وعطشا".
وبرغم أننا لا نناقش نظرية بوريدان في حد ذاتها؛ لأنها تتعلق بفرضية لا نتفق معها في مبدئها الفلسفي، وإنما نتخذها مثالا على ما يحدث فيما يسود وطننا العربي من تشتيت في الرأي، ومن شوشرة على ما يحدث في كل المجالات الفكرية والسياسية والاجتماعية، ومن عدم الثقة في علمائنا ومفكرينا، ومما يحمله الوعي العام من استقاء معلومات متضاربة ومتضادة تحمل في جوهرها توجها يحمل أفكار القائمين على مؤسساتها، ليس لمصلحة الرأي العام بقدر ما هو الحفاظ أو قل استلاب العقول المهاجرة أحيانا، والمتلهفة أحيانا أخرى، مما يشكل نوعا من الاستلاب أو التأرجح على عتبات المعرفة والوعى اللذين هما الكنز الأكبر لحياة الشعوب!
فالمعرفة هي ما يسعى إليها الإنسان منذ أن تلامس قدماه الأرض حتى يلامس لحده، وهو يبحث عن ماء يروي عطشه اللاهث، في كل ما يشكل لغزا محيرا، وتظل الإجابات مبهمة، لعدم القدرة على تشكيل الرأي العام، ولعدم القدرة على اتخاذ القرار بتفكير نقدي ومنهجي!
نحن في زمن على المحك، لا يحتمل تشتيتا، ولا يحتمل تجارب، ولا يحتمل تجاذبا. في زمن يسعى فيه العالم إلى أن يعيد تشكيله في شكل تكتلات عالمية جديدة ونحن ننظر تحت أقدامنا فقط لا غير! فحين أشار توماس فريدمان إلى العالم الجديد في تكتلاته المقبلة في كتابه: "العالم مسطح"، كان يذكر الصين واليابان وشرق آسيا وروسيا والأميركيتين وأوروبا، ولم يكن للعالم العربي مكان في خريطته المستقبلية، وسط هذه الكتل الصناعية والسياسية، فهو يرى أن الصناعة والمعرفة هما فقط من تقيمان الكتلة!
كيف تكون صناعة الرأي العام، وكيف يكون التدريب على اتخاذ القرار، وكيف يكون لدينا جيل قادر على ما يسمى بـ"مواصلة الاتجاه" دون تردد، ودون اتخاذ أنصاف الطرق التي تؤدي في النهاية إلى المفازة، وكيف نفكر - فيما يصدره لنا هذا الإعلام الموجه - بالتفكير المنهجي، الذي لا بد أن نقوم عليه بالتحليل والتفسير واتخاذ القرار بعلم ودراية وقوة قريحة ممنهجة، ودون الاستناد إلى الأقاويل المستقاة من الشارع والمقهى، ووسائل التواصل الاجتماعي؟ ولا شك في أن ثقافتنا نحن العرب هي ثقافة سمعية لأنها قامت على الثقافة القولية في نهاية الأمر كما صُنفت.
إن التعليم هو أحد ركائز الوعي، وهو المسؤول الأول على طريقة التفكير المنهجي والقدرة على اتخاذ القرار، خاصة أن الثقافات العالمية أصبحت تنساب بين شراييننا، فلا بد من التفكير والتحليل الذي ندرب عليه أبناءنا منذ أول وهلة يدخلون فيها المدارس.
وللأسف الشديد، أن التعليم أصبح قديما هزيلا في بلادنا، ولا يتناسب مع ما أحدثه العالم من طفرة في العلوم والمعارف! فالمدارس الحكومية القائمة على مؤسسات رسمية أصبحت لا ترضي من يتطلع بأن يرتقي بأولاده إلى مستوى يليق بثقافة ومعارف العصر، ومن هنا كانت المدارس الخاصة والمؤمركة والمدعومة من الغرب، مما يشكل مصالح ورؤى لهذه الجهات أو تلك. وعلى سبيل المثال لا الحصر عندما حضرت حفلة تخريج السنة الأولى الابتدائية في إحدى المدارس الخاصة بالرياض وهي مدرسة من أغلى المدارس والمتعاونة مع إحدى الجامعات الغربية. و. و. ألخ.. وفي بداية الحفل كان الاستعراض بالتلاميذ الصغار يشكلون جميع الدول العربية، وكل واحد يرتدي زي بلد بعينه ويحمل علم تلك البلد، إلا أنهم يغنون باللغة الإنجليزية، بالرغم من أن هناك أغاني باللغة العربية في استعراضات أخرى، فلماذا اختيرت اللغة الإنجليزية لهذا الاستعراض العربي بالذات؟ ولهذا ـ بطبيعة الأمر ـ أثره على التسرب الانفعالي والوجداني التراكمي على نفسية الطفل ونفسية المشاهد أيضا في مسخ الهوية فيما يسمى (الحقن تحت الجلد).
ونحن لسنا ضد تمازج وتلاقح المعارف وعالمية التفكير، وإنما نحن شعوب لنا خصوصيتنا وهويتنا وثقافتنا ووطنيتنا التي نحرص عليها، فلماذا المدارس الخاصة؟ ولماذا يذهب إليها أبناء الأغنياء فقط؟ وذلك ينتج عنه جيلان مختلفان في كل شيء لاختلاف منابع التعليم، وللفروقات بينمها، وهذا خطر كبير على لحمة الوطن القادمة! لماذا المدارس الخاصة والجامعات الخاصة في بلاد حباها الله الخير الكثير، لماذا لا تكون مدارسنا على الكفاءة نفسها؟ فقلد شكلت المدارس الحكومية جيلا باهرا في زمن مضى أنتج عباقرة هذا الزمن ومفكريه وفنانيه وأدباءه وعلماءه، ولماذا التوأمة بين الجامعات الأجنبية ومدارسنا، خاصة بعدما شاهدت تلك الحفلة في تلك المدرسة وذلك الاستعراض؟!
وفي ظل الهجمة الشرسة على وطننا الغالي وعلى مقدراته، فإن شبابنا وأطفالنا أمانة في عنق التعليم والإعلام والقائمين عليهما، خاصة ما يتصل بالوطنية وحب تراب الوطن والقدرة على التفكير المنهجي.