جاءت موافقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، على دعم تطوير التعليم بـ80 مليار ريال؛ تحقيقا لأهداف مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتطوير التعليم العام في المملكة العربية السعودية، في مدة خمس سنوات، حسبما تقدمت سابقا وزارة التربية والتعليم لتلبية الاحتياجات الضرورية والتطويرية التي تحتمها المرحلة الحالية والمستقبلية.

متفائلون بهذا الدعم، في ظل وجود رجل يحدونا الأمل فيه، وهو الأمير خالد الفيصل، منذ تسلمه زمام الأمور وزيرا للتربية والتعليم؛ لأن من يعرف خالد الفيصل، يدرك دقته في صياغة المشاريع التنموية الكبرى، وحول هذا الدعم السخي صرح سمو وزير التربية والتعليم بالقول: إن هذه الموافقة ستنقل التعليم العام نقلة تاريخية نوعية متقدمة سيجني الوطن وأجياله القادمة من البنين والبنات نفعها وخيرها.

وترتكز أبرز ملامح التطوير على برنامج دولي لتدريب المعلمين، والتوسع في افتتاح رياض الأطفال، ودعم مخصصات المستلزمات التعليمية والنشاط للمدارس، وربط المدارس بالإنترنت بسعات عالية، وتجهيزات الفصول الذكية، ومعامل الحاسبات لتوفير متطلبات التعليم الإلكتروني، وإنشاء مدارس متخصصة، ودعم الأندية المدرسية والموسمية، وسيسهم البرنامج كذلك في توفير البيئة المدرسية المناسبة، من خلال نزع الأراضي المطلوبة ودعم بناء مشاريع المباني المدرسية، وترميمها وتأهيلها وصيانتها ونظافتها، وتعزيز متطلبات السلامة في دعم يوازي النمو السكاني والعمراني ومتطلبات العصر وتقنياته، كما سيشمل تطوير الأنظمة والجوانب الإدارية، إضافة إلى موافقة المقام السامي على إنشاء وقف للتعليم العام، يساعد في إيجاد مصادر تمويل مستقلة لوزارة التربية والتعليم، ودون أي أعباء على الميزانية العامة للدولة. وبانتظار تفاصيل أكثر عن هذا المشروع الضخم عبر المؤتمر الصحفي الذي سيعقده سمو الوزير قريبا.

منذ الإعلان عن هذا الدعم الضخم يتساءل أكثرية الرأي العام عن الدعم السابق للمشروع، والبالغ قيمته 9 مليارات ريال، وبغض النظر عن هذا السؤال المشروع، تقفز إلى الذهن تساؤلات عدة تتعلق بمستقبل المشروع ذاته، ماذا عن مستقبل أبنائنا في مجال التربية والتعليم؟

معروف أن التعليم هو اللبنة الأهم في تحديث المجتمعات ورقيها وتطورها، وأعتقد أن لنا في المملكة تجربة مهمة وهي "تعليم المرأة"، فمن خلالها تغير وضع المرأة كثيرا في أقل من أربعين سنة تقريبا، وأصبحت المرأة السعودية اليوم تنافس نظراءها العلماء في المحافل العالمية. ولكن لم تعد المؤسسة التربوية المتمثلة في الأسرة والمدرسة تمارسان دورهما في معزل عن تأثير الدوائر الأخرى، وأهمها مؤسسات الإعلام بمختلف فروعها وأقنياتها، إضافة إلى دوائر التأثير الثقافي المتمثلة في نتائج العولمة على الحضارة الحديثة، إذ أصبح العالم أشبه بغرفة واحدة، وأصبحت وسائل الاتصال في متناول الجميع.

هنا نستطيع القول إنه مازال لدينا الكثير من التحديات التعليمية في المملكة العربية السعودية على مستويات كبيرة وشائكة، وأهمها المناهج التعليمية المعتمدة على الحفظ، وهي ما سماه باولو فريري ـ فيلسوف التربية البرازيلي الشهير ـ "التعليم البنكي"؛ لأنه وضع رصيد من المعلومات في الذهن يتم "سحبه" وقت الاختبارات، كما أننا أمام معضلة قناعة الطالب والمعلم بدورهما، فالطالب الطفل لديه همه الأكبر هو خروجه من المدرسة، والمعلم كذلك، وكأنهما لا ينتميان إلى طبيعة الذي يقومان به، فالتعليم بالنسبة للطالب وصائي وممل وغير مسلٍّ أبدا، وبالنسبة للمعلم هو ـ إضافة إلى الأسباب السابقة ـ مهنة تستهلك العمر وغير مجدية ماديا ومعنويا، وبمكن القول إن ضعف الطالب والمعلم في التحصيل العلمي هو نتيجة ضعف مخرجات التعليم بشقيه العام والعالي، أو بالأحرى الهوة التي تفصل بين هاتين المرحلتين المهتمين، مما كرّس هذه الصورة النمطية عن التعليم في بلادنا.

الذي نطمح إليه اليوم ليس صعبا، نريد خلال خمس سنوات قادمة أن يكون تعليمنا محققا للحدود الدنيا من آفاق التعليم في العالم، وأن يسهم في بناء الإنسان السعودي الذي يشترك في بناء العالم، وأن يكون واعيا بدوره كإنسان في هذا العالم، وهذه مسؤولية كبيرة يشترك بها كل فرد من أفراد المجتمع، ولكن الأهم والأَوْلى أن يكون التعليم مصلا ضد "الجهل المؤسس" الذي كان يمارس في أروقة التعليم كافة، وأن نستفيد من تجارب الدول المتقدمة، ونصوغ تجاربها بما يكفل طموحاتنا في تحقيق مستقبل زاهر لأبنائنا.