بعد أن خاضت الولايات المتحدة الأميركية الحرب العالمية الثانية، في بداية القرن العشرين، كانت حريصة في صناعة حروبها على أن يكون الرصاص الذي يُصنع في إحدى الولايات متلائما مع البنادق التي تصنع في ولاية أخرى، ويتم الفحص لأجل هذا التلاؤم لكل وحدة على حدة. ثم أصبحت القوات المسلحة تستخدم أساليب العينات التي تحمل معايير وصفات خاصة تتناسب في كل مكان، مما ساعد في تبسيط هذه العملية وتعجيلها.

هذا المشهد من بدايات تطبيق الجودة في الصناعة في الولايات المتحدة الأميركية سبقه في القرون الوسطى ـ مع تنظيم النقابات الحرفية في أوروبا ـ تركيز على فحص وسلامة خط الإنتاج كاملا، حتى بدأت الثورة الصناعية في أوائل 1800. وبعد نهوض اليابان تنمويا واجتماعيا في أعقاب الحرب العالمية الثانية دخل الأميركيون معها على خط المنافسة متأخرين في أساليب الجودة والاستفادة من طرح الخبير الإداري أو كما يسميه اليابانيون "أبو الجودة" W. Edwards Deming ونظريته المعروفة باسم دائرة ديمنج التي ترتكز على أربعة محاور. ومما كان ينادي به ديمنج وفهمه اليابانيون مبكرا ومن بعدهم الأميركيون، أن الجودة الأعلى في العمل تعني تكلفة أقل في الإنتاج.

تطور بعد ذلك مفهوم الجودة سريعا وامتد استخدام تطبيقاته وعلومه مع تطور دائم حتى اليوم في المجتمع الغربي وأسهم هذا في ارتفاع التنافس بين المطروح في كافة الأصعدة الصناعية والحكومية والتعليمية وغيرها. خرجت تعريفات عديدة لمصطلح الجودة الشاملة، ومن أبرزها "تحسين وتجويد العمل وبيئته"، وأصبحت لها خطوط عريضة معروفة دوليا، وفنون تتسابق عليها الإدارات والقيادات. وقد طبقت إدارة الجودة الشاملة في المملكة العربية السعودية عبر بعض القطاعات الخاصة والحكومية منذ أكثر من عشرين عاما، وكان لها أثر واضح في نتاجها، كسابك وأرامكو، وما زالت محاولات التطبيق العملية لمسارات الجودة وخططها ورؤاها تأخذ طريقها في الوزارات الحكومية المختلفة بإدارات مستقلة تعنى بالجودة الشاملة. ومنذ سنوات قليلة بدأت وزارة التربية والتعليم بمحاولات خجولة لتطبيق الجودة الشاملة في إداراتها، ويلاحظ أن وتيرتها تتزايد من عام لآخر مع التطبيق للوائح والأنظمة المستحدثة أخيرا.

الفجوة الواضحة للعاملين في ميدان وزارة التربية والتعليم بين إدارتي: تعليم البنين، والبنات، والازدواجية في تطبيق بعض القرارات والأنظمة بين الشطرين، لها بلا شك عدة مسببات، منها: أنه لا يوجد خط واضح يسير عليه كلاهما منذ البداية حتى النهاية، وافتقادهما للعمل بروح الفريق الواحد والنظرة الشمولية للأهداف العامة للتعليم العام، وتعليم يوجه أهدافه لمجتمع مشترك مكون من ذكر وأنثى تحت مظلة هيكلة إدارية واحدة، وإن اختلفت مسمياتها والتابعون لها، بحكم "الخصوصية السعودية". كما عليها أن تعزز التقويم الذاتي والحرص على تحسين العمل المقدم وقياس أثره على المستفيدين من عاملين أو متعلمين ومجتمعاتهم. بمعنى أبسط أن تتبنى الجودة في كامل خططها من بدايتها كأفكار، مرورا بالتنفيذ والحصول على النتائج النهائية.

إن حادثة تمزيق الكتب الدراسية التي انتشر خبرها أخيرا، لم تكن بالأمر الجديد الذي يحدث في الميدان ويدهشنا، ولكن الفرق هذه المرة أنه حدث خارج الأسوار وبحضور كاميرات الهواتف النقالة والتطبيقات الحديثة التي تنقل الحدث في ساعات للآلاف. فأي زيارة لنهاية يوم من الاختبارات النهائية في مدارس التعليم العام التي ستبدأ يوم غد سيُشاهد الكم الكبير من الأوراق والكتب والمذكرات ملقاة في ساحات المدرسة وأروقتها تتناثر مهما حاولت بعض المدارس وبجهود من منسوبيها توفير حاويات خاصة للورق. ومن ناحية تطبيق الجودة في هذا الأمر فقد يُجدي مع الهدر الكبير في استخدام الورق والكتب بيئيا وماديا أن تكون هناك خطة تضمن استفادة الطالب القصوى من المادة الدراسية باستخدام الكتب بشكل أقل من الموجود الآن، حيث يُستغنى عن نسختي الكتب (الطالب والتمارين) وتضم في كتاب واحد يكتفى به للعام الدراسي كاملا بفصليه لضمان بقائه مع الطالب حتى يحين وقت محدد نهاية العام لإعادة تدوير الكتب والأوراق المدرسية بمشاركة الطلاب كمتطلب للانتقال للمرحلة التالية. ومن الأجدى في ظل الطفرة في التطور الإلكتروني الهائل وانتشار الأجهزة اللوحية الذكية بين الصغار قبل الكبار، من الأجدى استبدال الكتاب الورقي بالقارئ الإلكتروني والأجهزة اللوحية، متضمنة المناهج الدراسية وتربط بطريقة آلية مع معلميهم لمتابعة المشاريع والبحوث الدراسية.

إن القضاء على الجوانب السلبية في العملية التعليمة يعتمد على جانب تربوي نظري يغرس قيما في أنفس الأبناء مبكرا، قيم تستشعر الرقابة الذاتية والإحساس بالمسؤولية والحرص على تقديم الأجود والأفضل دائما. وكذلك جانب تقني وفني تنهض به القيادات والإدارات الموكل لها القيام بالتعليم والتي تستطيع بتفعيل جوانب مهمة وحديثة أن ترفع من فاعلية التعليم ومخرجاته. ومع الدعم السخي الذي أمدت به القيادة الحكيمة وزارة التربية والتعليم أخيرا، نتمنى أن نرى خلال السنوات الخمس القادمة تغييرا يركز على تجويد التعليم، بتبني أفكار مغايرة للموجود السائد منذ سنوات، والاستفادة من التجارب التعليمية المتطورة في الدول الأخرى، وإشراك القطاع الخاص ومؤسسات عالمية تساعد في التطوير والتغيير الذي نرجوه.