لا يزال بعض المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي يقدمون أنفسهم ويطرحون أفكارهم من خلال استخدام الأسماء المستعارة، وبالمقابل نجد أن البعض الآخر يرفض التعامل معهم لأنهم "مجهولين" ولا يكشفون عن حقيقة أسمائهم أو تفاصيلهم الشخصية، من هنا قد يستخدم الاسم المستعار إما لشعور الشخص بالحاجة إلى الحرية في الطرح دون أن يعرفه أحد، وإما أن يُستَخدم كقناع للفوضى والعبث والنيل من الآخرين لأغراض شخصية أو لقناعات فكرية وتحزبية، وفي كلا الحالتين يمكن أن نعتبر الفرد متجردا من المسؤولية تجاه ما يفعل.
بدأت هذه الظاهرة منذ زمن ولا تزال باقية، إلا أنها تضاءلت نسبيا بين المستخدمين بعد أن أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي نقطة التقاء بين الثقافات المختلفة وفرصة لبناء العلاقات الإنسانية، وهذا يعني أن الوعي أصبح مطلبا، فمن الملاحظ أن بعض الفتيات والشبان يضعون تفاصيلهم الشخصية ومناطق إقامتهم ويكتبون بأسمائهم الحقيقية باعتبار أن كل حساب شخصي يعتبر إعلاما للفرد عن نفسه، إضافة إلى أنهم يسجلون حضورهم في أحداث التغير الثقافي والاجتماعي ويقدمون أنفسهم وأفكارهم للوعي كمثقفين، وذلك نتيجة للتفاعل الحضاري الذي سخرته مواقع التواصل الاجتماعي كفرصة ملائمة لتطوير الذات واكتساب المعرفة والتعايش وفق نمط العصر ومتطلباته، وانطلاقا من الاحتياج الذاتي يتم البحث عن الدور والعمل.
لا ننسى أن استخدام المواقع الافتراضية لدى الأكثرية يعتبر من إحدى وسائل التسلية والترفيه وهدر الوقت، ولكن المستخدمين بالمقابل يتطلعون لتتبع الأحداث والتفاعل معها والتعليق عليها من خلال الوسم الذي يتشاركون فيه لطرح قضية ما وإبداء الرأي حولها، وهنا تلعب الإبادة الثقافية دورها في نبذ المتأخرين ووصفهم بالتخلف، وهذا يعني أن الكثير من الأفراد والجيل الناشيء لا يجد له مقعدا مناسبا بينهم، حتى وإن كانت الترسبات الثقافية والمرجعيات العرفية والعقدية تحاصر البعض في سلوكه وطريقة تعبيره عن أفكاره، إلا أن الثقافة الجديدة بدأت تتشكل وتظهر في قالب من المرونة والتقبل للآخر الأمر الذي من شأنه التخفيف من حدة الصدام، نتيجة للتسليم بواقع الفكر الحديث الذي يثبت وجوده في كل قضية وحدث، وهذا بعد التنافر الفكري الشديد الذي طال الحراك الثقافي على المستوى المحلي وعلى مستوى المجتمعات الأخرى في فترة الربيع العربي وما بعده.