رغم كل الإشكالات والمآسي التي يعيشها الوطن العربي وربما الفتن إن صح التعبير، إلا أنه يمكن القول إننا كمجتمعات عربية نسير اليوم في الطريق الصحيح. فالاختلاف في القناعات والرؤى أمر صحي يقود المجتمع إلى دائرة أوسع بعيدا عن التقليدية والجمود، والمجتمع الذي لا يختلف ويتنازع على الأفكار لا يتحرك قيد أنملة، وهذا لا يعني سوى أنه مجتمع شبه ميت في عالم يتحرك بسرعة فائقة.

يقول المفكر علي الوردي: "إن التماسك الاجتماعي والجمود توأمان يولدان معا، ومن النادر أن نجد مجتمعا متماسكا ومتطورا في آن واحد". ولا يوجد مجتمع يرضى هذا اليوم أن يبقى متخلفا مهما بلغ تدني مستواه الاقتصادي والفكري، وكل المجتمعات تحرص على مواكبة الركب الحضاري، واللحاق بالأمم في كل المجالات، بل إن المجتمعات لم يعد لديها خيار أصلا في البقاء خارج هذه المنظومة العالمية.

التعددية الفكرية والمذهبية وحتى الدينية من سمات المجتمع الواعي والسليم، ومن لا يقبل تعددية المجتمع واختلافاته، فهو قد وضع نفسه في دائرة الرجعية، وسيعيش وحيدا لأن المجتمع سيتجاوزه، ويبقى من حقه مناقشة الأفكار ورفضها فقط، دون إقصاء أصحاب هذه الأفكار أو شخصنة القضية وتأليب الآخرين عليهم، وهو ما يفعله بعض المتدينين مع الشيعة على سبيل المثال.

حين حاكم كهان أثينا الفيلسوف سقراط، قالوا له: أنت متهم بتغيير أفكار الناس، فرد عليهم: هذه ليست تهمة إنها مديح، ثم قالوا له: أنت تحث الناس على ترك دينهم، فقال لهم: بل أحثهم على التفكير للارتقاء بهذا الدين، فقالوا: أنت تفتح مدرسة لتعلم الناس الخروج على كبار قومهم، قال: افتحوا أنتم مدارس أيضا واتركوا للناس الخيار، فإن ذهبوا لكم وتركوني سأغلق مدرستي.

ماذا حدث بعد ذلك، وضعوا السم لسقراط ومات، لكن فلسفته عاشت حتى اليوم؛ لأنها تقوم على الاختلاف والتغيير.