لكل منطقة من مناطق المملكة ذاكرتها الخاصة إذا ما تعلق الأمر بعيد الفطر المبارك، والذاكرة السعودية الجمعية بتعدديتها واختلاف مناطقها تستدعي كلما هلت تباشير عيد؛ فرحة العيد (أيام زمان) ببساطته وصدقه وعفويته، وتصيبها حمى (النوستالجيا).. لتمارس طقوس الحنين السنوية، وكل جيل يحلف ويغلظ الإيمان قائلا: العيد كان غييير أيامنا! ولعل أطفالنا سيقولون يوما ما: العيد كان غير أيام زمااااان، فلكل زمن معطياته التي تصنع بها الأعياد بهجتها، وما كان يسعدنا ويبهجنا لن يدخل الفرحة على قلوب أبنائنا فهم أبناء زمانهم.
لكن لاشك أن الفرح مناخ وسياق عام، يشترك الجميع في صناعته وتخليقه، ولا يمكن لفرد وحده أن يغرد خارج السرب في ثقافة طاردة للفرح غير قادرة على توليف نغماته، وغير ناجحة في استثمار أعيادها وتوظيفها، لتصبح محطة استراحة يجدد فيها الإنسان حياته، ويستعيد من خلالها توازنه النفسي وقدرته على تحمل مشاق الحياة. ولأننا نستورد أسوأ ما عند الغرب دائما، فقد حولنا ـ بأيدينا ـ أعيادنا إلى أنماط استهلاكية أخرى لممارسة المظهرية والفشخرة (الكدَّابه)، حتى لو كان ذلك على حساب جيوبنا المثقوبة أصلا؛ والموعودة بالمزيد من المصروفات مع فتح المدارس القريب، وكأن البذخ والترف سيعيد لأعيادنا هيبتها القديمة! فبعضهم ينفق حوالي 15 ألف ريال على احتفالية العيد العائلية حسب تحقيق بجريدة "الرياض"، حتى لا يبدو أقل من غيره في العائلة!
ورغم أن أعياد الميلاد في الغرب صورة من صور تكريس ثقافة الاستهلاك تتحول معها الأعياد إلى صناعة، وتفتح فيها الشركات والمحلات التجارية أفواهها لتلتهم الأموال، إلا أنهم ينجحون إلى حد كبير في صناعة مناخ عام مفعم بالبهجة، ويحرصون على إحياء صور احتفالاتهم القديمة بأشكال جديدة، فتسود الأجواء الاحتفالية المجتمع برمته. بينما نحن لا نطول عنب اليمن ولا بلح الشام، فالأموال تراق على موائد الأعياد، دون أجواء احتفالية حقيقية! فقدنا عفوية وبساطة الأعياد القديمة وقوة ترابط العلاقات المجتمعية فيها، ولم ننجح في صناعة طقوس احتفالية جديدة. فحتى خروجك مع عائلتك إلى مطعم قد تدفع معه ثمنا نفسيا باهظا عندما تشعر أن هناك من يتطفل على خصوصيتك أو يمارس رقابته عليك. وحتى الجلوس في مقهى مع أسرتك دون (بارتشين) أمر ـ على بساطته ـ غير ممكن للسعوديين، مما يجعل مكتنزو المحافظ يولون وجوههم شطر الخارج في العيد.
للأحوال الاقتصادية السيئة وغياب العدالة الاجتماعية، وانتشار الفقر والبطالة وانعدام تكافؤ الفرص وغياب الحريات، والقمع بشتى ألوانه دور كبير في إجهاض فرحة العيد في عالمنا العربي السعيد أيضا.
رغم كل ذلك أعزائي القراء دعونا من البكائيات على أعياد زمان، ولنكن فاعلين في إسعاد من حولنا، ولنعد إحياء طقوس الفرح القديمة ولنبتكر أخرى جديدة تبهج من حولنا.. دعونا نستنطق فرحة العيد ونستشعرها، فالأجيال الجديدة لها حق علينا لنشعرها بفرحة العيد وبتجدد الأمل فيه.