ثار خلال الأسبوع المنصرم جدل واسع بصورة مباشرة أو غير مباشرة حول الرأي الذي طرحه ـ وليست المرة الأولى ـ الناقد المعروف الصديق الدكتور معجب العدواني، حول القصة القصيرة بعامة، والقصة القصيرة جدا على وجه الخصوص، في برنامج إذاعي، إذ قلل من فنية النوع الثاني، بل أخرجها من الباقة الإبداعية السردية، وتجاوز ذلك إلى اعتبار القصة القصيرة غير مؤثرة في المشهد، بل إنها ـ وبحسب رأيه ـ تعد من الفنون المنقرضة وغير القادرة على الثبات في مواجهة الرواية، التي سيطرت على الفنون السردية، وتسنمت المكان اللائق بها.
الواقع أن للرجل حضوره النقدي اللافت، واشتغاله الذي لا ينكر ولا يهمل، وليست هذه الزاوية من السعة حتى نتشعّب في الجذور الفنية للقصة أو الأقصوصة أو الومضة السردية، ولا إخال الدكتور إلا ملما بكل ذلك، بل ويقدم فيه المحاضرات، ويدير الندوات، ويناقش الرسائل العلمية، الأمر الذي يبعث على الدهشة من ذلكم الرأي المصادِر لكل الجهود الإبداعية في هذا الفن، وكذلك ما واكبها من حراك نقدي، ولقاءات متعددة، وكتب مصنفة، ومؤتمرات منحتها الشرعية والتأصيل منذ زمن طويل، غير أني ـ ومن زاوية أخرى ـ أنظر إلى موضوع "نكش" كتّاب هذين الفنين نظرة إيجابية، خاصة أن كتابة القصة أضحت حائطا منخفضا يقفزه كل من جالت في خلده خاطرة ما، أو تعرض لموقف معين وأراد تدوينه، كما أن الـ"ق.ق.ج" غدت هي الأخرى مرتعا للانتماء الزائف، وركوب الموجة من قبل أقلام مبتدئة وفي مقتبل العمر الإبداعي، ولما تتوافر لها الخبرة ولا المعرفة ولا حتى قراءة الأعمال المميزة في هذا المجال.
سأفترض أن الرأي يعني هذا، ولن نحجّر واسعا فنقول: إن القصة هي أم السرد وجوهرته الثمينة، ولكنها في رأيي مفتاح وسبيل مهم يعبره الروائي؛ حتى يتمكن من أدواته، ويصنع عوالمه ومعماره، ويعمل على جدل الأحداث، وبلورة الحكاية، وحقنها بما تحتمله من عناصر التشويق والدهشة والإمتاع، فكيف يتسنى له ممارسة ذلكم كلّه دون أن يختبر قدرته على نسج الحدث الواحد والمضي في تعرجاته وتدرجاته وتناميه عبر كتابة القصة القصيرة؟
أما الـ"ق.ق.ج"، فإنها ولا شك عزيزة المنال، إلا من أوتي سحرها والتعامل مع تقنياتها الدقيقة، وهؤلاء قلة إذ لا يُعبأ بالكثرة التي تمتطي الفن من كل حدب وصوب. فإن أصرّ الصديق "العدواني" على رأيه فليجبنا عن سؤال يسير: أين يضع زكريا تامر، بعد رأيه الذي نحترمه ولا نقره عليه؟.