أثار سمو وزير التربية والتعليم الأمير خالد الفيصل موجة من النقاشات، عندما تحدث عن اختطاف التعليم من الفكر المتشدد. وبوصفي معلمة في مدارس التحفيظ ثمانية أعوام، أحب أن أقدم شهادتي، وكمثال بسيط على ذلك، كنت شخصيا مضطرة لتدريس الطالبات في الصف الثالث تحفيظ أصول فقه مسألة قتل الحرز المسلم التي كانت مقررة وحذفت فيما بعد، ومسألة قتل الحرز المسلم تعني جواز تفجير حي أو سوق فيه مسلمون مادام تترس فيه الكفار، وهي المسألة التي استند عليها الإرهابيون في تبرير تفجيراتهم في المملكة، ويقولون كما قال الكتاب بالضبط من مات أمره لله ولا يؤثم المفجر أو القاتل.
في الواقع، مثل هذه المسألة مسائل كثيرة في كتب الفقه الإسلامي، تحتاج للمراجعة، لكن دعوني أتساءل معكم: كم إرهابيا لدينا تخرج من الثانوية، أو من مدارس التعليم؟ بحسب رأي شخصي غالب دعاة الإرهاب كانوا جهلة لم يدرسوا الدين ولم يتخرجوا من كليات الشريعة، ومن دخلها منهم خرج وهو يشتمها كالرشودي مثلا. أتمنى حقيقة لو كانت لدينا مراكز أبحاث اجتماعية لتحديد تأثير مواد الدين على سلوك الفرد.
من ناحية أخرى، دعوني بوصفي معلمة سابقة، أرو لكم شهادتي في اختطاف آخر للتعليم، هو في رأيي مساو لاختطاف الإرهابيين أو أخطر.
منحت الدولة قبل عدة سنوات، وزارة التربية والتعليم 9 مليارات لتطوير التعليم. ماذا حدث بعد هذه تسعة المليارات؟ وما الجوانب التي تم تطويرها بالضبط؟
مثال بسيط على التطوير كتاب الفقه للصف الأول المتوسط، تم تطويره وأصبح ملوناً أكثر ووضعت فيه صورة، ويا لها من صورة، إنها تمثل ثوبا وعليه بقعة دم، وأشير إليها بسهم، وقيل: نجاسة "افهم يا ولد هذه هي النجاسة"، فقبل الصورة لم تكن تفهم أنها نجاسة، هكذا يتم تطوير كتبنا، نلون الصفحات ونري الصغار النجاسة مصورة في كتبهم.
السؤال كم دُفع من أجل هذا التطوير الخطير الذي قام به جهابذة إعداد المناهج؟!
والمختطفون كثيرون، بعضهم أصبح مختطفا؛ لأنه لم يكن أهلاً لوظيفته التي ربما حصل عليها لكونه يملك الذكاء الاجتماعي الذي أوصله لوظيفة في وزارة التعليم لم يكن يستحقها، مثل أولئك الذين صمموا بالملايين شعارا هو أصلاً شعار شركة ألبان، وأي شخص عاش في المملكة العربية السعودية سنة واحدة، لو شاهد الشعار لأخبرك أنه لشركة ألبان شهيرة، لكن السادة معدي الشعار عجزوا عن إدراك ذلك.
المدارس الحديثة في العالم لم تعد تعتمد على المنهج المحدد أو ما يمسمى الكتب المدرسية، بل يُعطى المعلم أهدافا، ويجب أن يحققها مع طلابه؛ لأنهم سيختبرون من قبل جهة أخرى تحاسبه حساباً عسيراً إذا لم تجتز نسبة منهم الاختبار.
وفي تعليمنا، قامت الكفاءات القديرة (في العلاقات الاجتماعية) بشراء مناهج من أميركا وغيرها، لم يعودوا يستعملونها، بملايين الريالات، وقالوا: لقد طورنا التعليم.. بالله عليكم كيف نطوره برجيع الأمم الأخرى؟
أما المباني المدرسية، فاختطافها حديث له شجون، وقد يستوجب كتابة مرثية بكائية. لقد دفعت المليارات لأجل تصميم يفاجئك أنه غير خاضع لمعايير الجودة في المباني المدرسية، أو حتى أنظمة الأمان، ولا يوفر بيئة مناسبة للدراسة، ولا حتى خطة دمج المعاقين حركياً الذين تزعمت الوزارة دمجهم، ثم جعلتهم يبكون في الزوايا؛ لأنهم لا يستطيعون الصعود للمعامل في الدور الثاني مثلاً.
مدرسة كلفت ثلاثة ملايين، وعندما تدخلها تجدها جرداء، وما يسمونه "فصل دراسي" فيها مجرد طاولات ولوح.. إنهم لا يعرفون معنى كلمة تجهيزات صفية، وأن الصف المكتمل لا بد له من سبورة ذكية وجهاز عارض وثلاث سبورات مساعدة ومكتبة ومكتب للمعلم وكومبيوتر... إلخ.
هناك صنف من المختطفين اختطفوا تعليمنا، وهم أشبه بالأخطبوط في كل مكان ستجد لهم يد، بل بعضهم لديه وظيفة في الوزارة، ووظيفة في شركة التطوير، وفوق ذلك وقفوا في طريق كل مميز في وزارة التربية والتعليم، يدفعونه قسراً للبحث عن وظيفة أخرى في وزارة أخرى أو العمل الخاص.
إن هؤلاء ببساطة، هم مثل المتشددين في اختطافهم للتعليم، لكنهم يبدون أكثر أناقة وترتيبا، وتعجبك أشكالهم، لكنك إذا ناقشتهم اكتشفت حقيقتهم تماما كما كشف شعار 42 مليونا حجم إدراكهم.