من أهم مسببات الخلاف بين الأطراف، رغبة كل طرف في أن يتصرف الطرف الآخر بالشكل الذي يريده، منطلقا من رفضه قبول الآخر كما هو، فتجد الأخ مثلا يريد من أخته أن تكون مطيعة في كل شيء، وتجد الصديق يريد من صديقه ألا يعارضه في الرأي، وتجد الدول الكبرى تريد من الدول الأخرى أن تذوب بحيث لا يبقى لها هوية أو كيان.

هذه الأنانية المفرطة في نظرة الإنسان للآخر، أصبحت اليوم ومع الاختلافات الجوهرية في أنماط الحياة من أكبر التحديات التي يجب أن تتعامل معها المجتمعات بشيء من الجدية، والنظرة الأكثر تسامحا وقبولا، فمع أجواء الفردية التي تنمو في الشعوب، والنرجسية الوطنية التي تتغلغل كفلسفة حكم في الدول، والتي أصبحت من سمات هذا العصر، أجد أنه من الضروري أن يتم العمل على تأصيل فكرة أن الإنسان لا يمكن له أن يستمر في محاولته قبول الآخر، فقط لكونه مطابقا للمواصفات والمقاييس الفكرية والاجتماعية والأخلاقية التي يحددها هو، فكم من تاجر أنجب ابنا فاشلا في الحساب، وكم من عالم ولد من والدين أميين، فإن كانت الجينات غير قادرة على ضمان استمرار تطابق فردين، فكيف يمكن للأفراد والدول أن تتوقع أن تخضع غيرها لتشكلها بالشكل الذي يناسبها؟

كثير من الخلافات الفردية، لو فتشت عن أساساتها، ستجد أن الحوار يدور في سياق: (كنت أريده أن يفعل كذا وهو فعل كذا)، أوفي سياق: (يا ليت يتوقف من فعل كذا، ويبدأ في فعل كذا)، وهي كلها سياقات تتمحور حول خلاف نابع بين طرفين ناتج عن قيام أحد الأطراف بالتصرف بالطريقة التي ناسبته، ولكنها لم تناسب الطرف الآخر، وعليه فهي ناتجة ـ ليس عن تجاوز طرف على الآخر ـ بل من تصرف أحدهم بشكل لم يناسب الآخر.

دائما أردد: لو اكتفى كل واحد منا بالاهتمام بنفسه، من خلال تطوير مهاراته وقدراته وتفكيره والعمل على الارتقاء بمستوى إنتاجه في محيطة، وتوقف عن النظر لما يفعله الغير، وهو ما نسميه (لقافة)، فلربما كان حالنا أفضل، فمنطلق هذه المشكلة هو في صميمه نابع من هوس الفرد بالتحكم بالآخر، وذلك مرض نفسي ـ لا شك ـ أنه بحاجة لعلاج على المستوى الفردي والأممي.