عبر المستشرقون الغربيون من الجنسيات كافة، وعلى اختلاف الأهداف وتباين الغايات، صحراء الجزيرة العربية، ودونوا ذلك في: رحلات، كتب، رسائل علمية، تقارير استخبارية، فكانت الحصيلة الأساسية الضخمة كتبا ودراسات اجتماعية وإنثروبولجية، رصدوا خلالها طبائع وصفات أبناء المنطقة بتفصيلاتهم وتراثهم: حياتهم الصعبة، مزاجهم وطريقة عيشهم.

مزج المستشرقون ذلك ودونوه مع تحليلاتهم الشخصية، أو قراءاتهم الخاصة، لكنهم في الأغلب الأعم أحبوا الناس بعمق وصادقوهم بحق.

يصف "لورنس" في كتابة الشهير: "أعمدة الحكمة السبعة"، شعوره العميق بالحزن لاضطراره إلى الكذب على أصدقائه البدو وخذلانهم في مشروعهم. امتلأ كتابه بالإشادة بهم، وذكر محاسنهم فيما ظل "غلوب باشا" الضابط الشهير يشعر بالكثير من الامتنان؛ لأنهم ظلوا يحبونه ويتواصلون معه حتى بعد انقضاء الأمور، وعودته إلى الديار متقاعدا وعجوزا، أنصف الناس "أبو حنيك" حتى بعد أن اتهمه اليهود بالتعاطف مع العرب، واتهمه القوميون بالخيانة والإسهام في نشوء إسرائيل. جيرترود بيل، بالغريف، ثيسجر. عشرات من الأسماء كتبت ما يشبه الغزل في الصحراء العربية وأناسها. بعضهم تلبس الحالة وتكنى بأسمائهم، "غلوب" سمى ابنه البكر "فارس"، "بروس أنغهام" تلقب بـ"أبو حسين"، كارل رشوان، موزيل، وآخرون نالوا نصيبهم من الهوس بالبدواة والصحراء والواحات المأهولة بالنخيل والحكايات، لم تمنعهم الحواجز الفكرية والحضارية والثقافية من الكتابة والحياة بتجرد، لم يكونوا واقعين تحت سلطان أي رقيب سوى ضمائرهم؛ لذا أثر نتاجهم كثيرا في الثقافة العربية وتراث المنطقة الإنساني، إذ يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب فضل أسهموا في رصد وتدوين مراحل مهمة، من حياة سكان الصحراء وكفاحهم وثقافتهم.

على الجانب الآخر، ارتبط البدو والبداوة، بكل صفات التخلف والقسوة والهمجية، لدى القوميين العرب، ممن تبنوا نظريات العروبة السياسية، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ونشوء الدولة القطرية، فوصموا بالتبعية والعمالة وأذناب الاستعمار والإمبريالية توصيفات ميتة، أثبتت الأيام أنها كانت مجرد شعارات.

كرّس الإعلام القومي في الذهنية العربية صورة نمطية عن أهل الصحراء عبر وسائل مختلفة، إضافة إلى نتاج ثقافي روائي ـ في أغلبه ـ يصورهم بنزعات حسية غريزية، وذلك فهم جاهلي وتصور ظالم.

ينصف المستشرقون القادمون من أقاليم الدنيا، فيعدل الخصوم، ويظلم ذوو القربي. يكتب الاستشرافي بلغة آسرة أخاذة، ويتغنى واصفا اعتداد العربي الصميم بذاته وقيمه، فيما القومي القريب يمعن في كيل التهم، وتكريس الأفق الضيق والأفكار المسبقة الجاهزة. ينظر المستشرقون إلى البداوة بوصفها نمطا بشريا تحكمه الأعراف والقوانين غير المكتوبة، في سياق صارم لا يقبل الخرق، بمنظومة قيم دقيقة، تعلي من الأخلاق، وتشيد بكل ما هو إنساني، في حين يتبنى القومي المؤدلج، صورة ظاهرية قشرية منزوعة المعايير والإنصاف، وهذا تناقض فارق بين صورتين وذهنيتين: الأولى منصفة وبعيدة، فيما الأخرى شديدة الظلم وقريبة.