المشكلة التي تواجه الإصلاح أن البعد الأولي والأساسي في عملية "الإصلاح" هو الإنسان، ذلك الكائن العجيب الذي هو محور الكون، وعليه المعول في عمارة الأرض وإصلاحها، فإن فسد فسدت، وإن صلح صلحت، وهكذا كانت رؤية الملائكة لهذا الإنسان قبل أن ينفخ الله فيه من روحه: (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون).
مشكلة الإنسان الحقيقية أنه ليس كائناً مادياً يمكن أن يحول إلى ما نريد بالصهر أو بالتعديل، وليس كائناً عقلياً كذلك بحيث تكون القضايا أمامه رياضية حتمية، وليس كائناً روحياً فقط بحيث تنفع فيه التصفية القلبية والوعظ دائماً، إنه مزيج من كل هذا، تتعاوره هذه الاتجاهات وتؤثر عليه، فتكون عملية إصلاحه معقدة جداً وبطيئة وطويلة، ولا يأتي تغييره بقرار يمكن أن يوصلنا إلى ما نريده منه.
البشرية في مسيرتها الطويلة كانت ترى في الإنسان شيئاً مثيراً، وهي ـ في الحقيقة ـ تحاول أن تفهم ذاتها بذاتها، تحدث الفلاسفة عن مفهوم الإنسانية، وأيهما مقدم، الإنسان كائناً فرداً حراً أم بكونه كائناً في عصبة اجتماعية؟ هل إنسانيته في عقله أم في شعوره ووجدانه؟ ما الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان إن كان هناك قدر من "العقل" بينهما؟ بم تتحقق الإنسانية؟ وكيف الموقف أمام نزعاته ورغباته؟ من يحق له أن يحد من انطلاقه في الحياة؟ وما العوامل التي تجعل منه وحشاً كاسراً ومرة ملاكاً طاهراً؟ متى نحكم على هذه الإنسان أنه "متقدم" ومتى نحكم عليه أنه كائن "متخلف"، سواء على مستوى الفرد أم المجموع، وكلما تطورت العلوم المادية والإنسانية، ازداد الإنسان في نظر العلماء تعقيداً واكتشفوا أنه "كون" وحده، يشبه في سعته وتعقيده وغموضه الكون الممتد الشاسع، وكلما خلصوا إلى قضية في فهمه، وجدوها فيما قرره الأنبياء في طبيعة الإنسان وحياته ومسيرته التاريخية، وذلك في الوقت الذي تتهاوى فيه نظريات الإلحاد والتطورية التي ترى الإنسان كائناً مادياً متطوراً، حاله كحال أي جزء في الكون نشأ صدفة وترقى حتى وصل إلى حالته المعاصرة.
في مسيرة الأنبياء وجد ذلك الإنسان التام، لأن النبي يختار من قبل الله بعناية، وتكون المصطفوية هي منة الله على أنبيائه، ولذا كانت توجيهات الأنبياء التي ختمت بالنبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)، فإن كان الله تعالى له الخلق والأمر، فإنه "يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"؛ ولذا تجدد أن المقررات الشرعية التي تصنع الإنسان هي في حقيقتها تصنع "الإنسان التام"، ولذا كانت تلك المقررات الشرعية متوافقة دائماً مع نزوع العقل البشري نحو أحكام الصلاح والفساد والقبح والحسن.
افترض مرة أن رجلاً ما طبق كل صفة حسنة في الشريعة للإنسان، فهو رجل قانت عابد سليم الصدر يحسن للغير وليس عنده حقد أو غل، يحب الخير للآخرين كما يحبه لنفسه، يعطف على الصغير ويوقر الكبير، لا يقول إلا حقاً ولا يخوض في باطل، يعمل بجد وإخلاص، لا يغش ولا يخدع ولا يأكل أموال الناس بالباطل، ولا يظلم في أحكامه، ولا يتحيز بالباطل، يحسن تربية من تحت يده، ولا يقصر في عمل أوكل إليه، يحتسب كل خطواته، ويشعر بألم الناس ويعينهم، يخرج زكاة ماله، ويتصدق وينفق ويعين المحتاج ومن أصابته نوائب الدهر، يكرم الضيف ولا يبخل بماله على من حوله، عقله وفكره في حالة تأمل في ملكوت السموات والأرض، يرى أن عمارة الأرض جزء من استخلاف الله له فيها، يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، فيه من السماحة والبشاشة وسخاء النفس والرقة الشيء الكثير، لا يفعل الفواحش والموبقات، ويتعفف عن الصغائر، وقل ما تشاء من كل الصفات الأخلاقية العظيمة التي وردت في نصوص الكتاب والسنة، سوف نجد أننا أمام كائن عظيم أقرب إلى الملك، ولو كان المجتمع كذلك لأصبحت الأرض جنة سفلية.
السؤال المهم: هل الله أراد للناس أن يكونوا كذلك؟ وهل طبيعة الإنسان في أصله قابلة لأن يكون كذلك؟ وهل يمكن أن تصلح الأرض بهذا؟ الجواب نجده في مجموع الحكم والعلل والنصوص التي بينت طبائع البشر في الشريعة وأكدت على أن الأصل في الإنسان (الظلم والجهل) وكان الإنسان ظلوماً جهولاً، ولذلك جاءت النصوص تبين هذا بجلاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم"، فيكون الخطأ والذنب والاختلاف في الطبائع سنة الله في خلقه، وإنما جاءت الشرائع لترسم للبشر دروب الرقي دون أن تشترط فيهم "التمام"، بل "المقاربة" إلى الهداية، كما قال عليه الصلاة والسلام: "سددوا وقاربوا" وقال: "استقيموا ولن تحصوا"، لأنه بهذا يقرر الطبيعة البشرية العامة التي تتوافق مع نزعات الإنسان وأساس خلقه.
إن هذا المنطلق يجعلنا نتلمس "الوسطية"، ونحن نطلب "الإصلاح"، وفي نفس الوقت نتطلب مقاربة الأمر الشرعي لإصلاح الإنسان، وإدراك طبيعته التي خلقه الله عليها، فلا نسلمه لأهوائه ونطمئن إليها، ولا نجعل "القانون" هو العامل الأوحد في إصلاح حركته في المجتمع، بل يكون ذلك في عملية توازنية تراعي جوانبه الإنسانية وعقله وروحه وطبيعته الأصلية، فلا نقف أمام وعظه، ولا تقلل من قيمة القانون الذي يحكم حركته وعظيم دور "الدين" في خلق الإنسان المقارب للكمال، إذا اقترب من قيم الشريعة وسار على وفق ما أراد الله تعالى ورسوله، عليه الصلاة والسلام.