في عام 1908 افتتحت مؤسسة "شيسو" مصنعا للكيماويات في مدينة "ميناماتا" اليابانية. كانت في البداية تنتج الأسمدة فقط، توسعت فيما بعد لإنتاج الأسيتيلين، والأسيتالديهيد، وحامض الخليك، وكلوريد الفينيل، والأوكتانول، وغيرها.

أصبح المصنع الأول في مجال الكيماويات في اليابان، لم تكن للشركة رؤية أو هدف للحفاظ على البيئة، أو اتباع الطرق السليمة للقضاء على مخلفاتها الكيماوية، كانت تتجاهل كل قوانين الحفاظ على البيئة دون قانون يردعها، فضلت أن تجني المزيد من المكاسب بدلا من تخصيص ميزانية للمحافظة على البيئة، نمت مؤسسة "شيسو" حتى أصبح لها نفوذ كبير واقتصاد راسخ، يوفر ربع الوظائف في مدينة ميناماتا، ونصف عائدات الضرائب لسلطة المدينة.

طغيانها وجبروتها الاقتصادي سمح لها بمد أنابيب تصريف مخلفاتها الكيماوية من مصنعها الضخم إلى خليج ميناماتا العذري، انتهك طهارته ولوث أعماقه، أصبحت الأسماك تطفو ميتة، ولم تعد تنبت الأعشاب البحرية في قاع الخليج، فاضت سموم مخلفاتهم لتصل إلى طفلة في الخامسة من العمر، إذ نقلها والدها إلى الطبيب وهي تعاني من صعوبة في الكلام وفي المشي وتشنجات، بعد يومين بدأت نفس الأعراض على شقيقتها الصغرى، وابنة الجيران، وحتى القطط التي بدأت في التشنج، ومن ثم تصاب بالجنون والموت.

استنفر الأطباء طاقتهم لكشف الأسباب، مفترضين أنه مرض معدٍ، وبعد التقصي والبحث من قبل الأطباء وفريق بحث من جامعة "كوماموتو"، تم الكشف بأن السبب يعود إلى أكل أسماك الخليج المشبعة بالمعادن الثقيلة السامة.

تأكيدات الأطباء وفريق البحث الجامعي لم يكن رادعا بما فيه الكفاية لمصنع "شيسو"، لم تكن هناك جمعية قوية لحماية البيئة حتى يتم محاصرة "شيسو" بقوانين حماية البيئة ومحاسبتها وتغريمها وإجبارها على التخلص من نفايات مصنعها بالطرق السليمة ودفع التعويضات للمتضررين.

فشلت محاولات الأطباء في التفاوض مع إدارة المصنع، وغلبت مخاوف الخسائر ورغبات الجشع المادي فريق إدارة المصنع على إنسانيتهم واعترافهم بالخطأ، بل إنهم حاولوا التشكيك في النتائج التي توصل إليها الأطباء وفريق البحث الجامعي، ولإبعاد الشكوك التي تشيع بأن أنابيب صرف مخلفاتها الممتدة من المصنع إلى الخليج هي السبب الرئيس، قامت بتكليف مدير مستشفى الموظفين الخاص بها "هاجيمي هوساكاوا" بإجراء التجارب على 400 قطة، لعل وعسى أن تثبت تجاربهم عكس ما أثبتته نتائج الأطباء وفريق البحث الجامعي، وعندما أخبر السيد "هاجيمي هوساكاوا" إدارة المصنع بأن نتيجة التجارب تثبت التهمة عليهم، طلبوا منه التوقف عن إجراء المزيد من التجارب، وتم تجاهل مطالبات التعويض ومعالجة مخلفاتهم الكيميائية، استمرت على نفس نهجها الذي قتل الحياة في مدينة "ميناماتا"، وأصبحت مخلفاتها فيروسا يقتلهم واحدا تلو الآخر، حتى توفي 1784 شخصا، واختفت مظاهر الحياة في مياه الخليج.

بعد سنين من معاناة سكان المدينة من ملوثات المصنع وسياسته غير الإنسانية تجاههم، لم يجدوا أدنى جدوى للمحاولات التي قامت بها بخجل وضعف منظمات وجمعيات حماية البيئة الحكومية والتطوعية.

وحدها مطالبات السكان الأصليين لمدينة "ميناماتا" انتصرت في نهاية المطاف، عندما نجح محامو المدينة وسكانها في كسب القضية التي رفعوها ضد المصنع، واستطاعوا بعد الكثير من المواجهات والتحديات من إدانة المصنع، وتوفير الأدلة كافة للمحكمة التي حكمت لصالحهم، ودحرت عنهم ملوثات المصنع، بل وأجبرتهم على التعويض بملايين الدولارات، وتنظيف كل ما خلفه مصنعهم من سموم وقاذورات.

وحدهم السكان الأصليون لديهم القدرة على الحفاظ على البيئة، لا أحد سيعتني بأشجار أبها مثل أهلها، لا أحد سيحمي "سنابل القمح" في قريتنا بجازان مثل جدي، ولا أحد سيقف حائلا بين عمليات التصحر التي تتبناها بعض الجهات الحكومية؛ بهدف التحضر مثل السكان الأصليين الذين يهمهم الحفاظ على تراثهم وبيئتهم وذكرياتهم.

في قريتي "السعدية" بجازان يصلها "الأسفلت" لأول مرة ليس من أجل خدمة سكانها، بل لتمهيد الطريق لمركبات نقل المخلفات والصرف الصحي، التي أقرت أمانة منطقة جازان أن يكون موقع مرمى النفايات والصرف الصحي خلف القرية مباشرة، متجاهلين اعتراض سكانها، وما يخلفه هذا القرار من تلوث بيئي خطير ومزعج.

إنني أتساءل: أين جمعية البيئة السعودية التي تم تأسيسها في عام 2007؟!، أين وعدهم بتنمية العمل التطوعي، وذلك بإيجاد قاعدة عريضة من المتطوعين والإسهام في تعزيز دور القطاع الخاص لخدمة قضايا البيئة في مجالات حماية البيئة والمحافظة على الموارد الطبيعية والحياة الفطرية؟!، لا أحد يعرف هذه الجمعية، لم نرها يوما تقف حائلا بين أشجارنا ومغتصبيها، لم نسمعها ولو لمرة تقول: "نعم للتحضر لا للتصحر"، لم تقل يوما أنتم يا سكان المناطق الأصليين أجدر من يحافظ على بيئتها، ونحن سنوفر لكم الدعم الكامل، سنخاطب الجهات التي تتجاهل بيئتكم، ونذكرها بالقانون الذي يردعها، ويجعلها تبني حسابات طويلة قبل أن تهم بنزع شجرة أو بتلويث مدنكم وقراكم.

سكن في قلبي حزن عميق للغاية، وأنا أرى قريتي التي تربطني بها ذكريات خالدة، وهي تئن تحت وطأة مرمى المخلفات، التي أقرت أمانة منطقة جازان أن يكون خلفها مباشرة في اتجاه الريح، الذي ينقل روائحها لتقتل آخر ما تبقى من شذى فُلها وعبق القمح في سنابلها. لماذا لا تفيق جميعة البيئة السعودية من سباتها، وتترك لنا ولو رقم هاتف واحد، تستقبل عليه شكوانا من التعدي على بيئتنا؟، تدعم مطالبنا، تفرض نفسها بقوة القانون، وتردع كل من يحاول الاعتداء على أشجارنا ورائحة أزهارنا وما تبقى من ذكرياتنا؟!