عُرفت الشجرة على مدى التاريخ الإنساني كشريك لا مجال للعبث معه بالمطلق، ولا سبيل حتى إلى مجرد التفكير في إهمال تلبية أبسط متطلبات وجوده كشريك فريد، نرتبط معه بعلاقة دورة حياة الجنس البشري، لذلك نرى الإنسان على مستوى العالم يتخصص في علم الأحياء والنباتات، ويُنشئ المراكز والمختبرات والمؤسسات المتخصصة، التي تُعنى بدراسة الشجرة وتكوينها، وتراكيبها، وفوائدها، وأهميتها في تكوين بنية البيئة الصالحة للحياة المتنوعة واستمرارها، لكافة أشكالها على كوكب الكرة الأرضية، وتراعي كثير من الأمم الإرشادات الصادرة عن تلك المؤسسات وفق معايير علمية دقيقة، بهدف الحفاظ على الثروة النباتية في العالم، والعمل على استحداث وابتكار ما يساعد على زيادة توسيع مساحاتها بشكل دائم ومطرد، فيما تسعى بعض منظمات المجتمع المدني، وأهمها منظمة السلام الأخضر العالمية التي نشأت بمدينة "فانكوفر" الكندية عام 1979م، والمعروفة بـ"قرينبيس Greenpeace"، إلى الدفاع عن البيئة ومقدراتها، وأحد أهم أهداف برامجها التي تقام على مستوى العالم، هو محاولة إيقاف اقتلاع الأشجار وتجريف الغابات، أو الحد من تلك العمليات على أقل تقدير، وخاصة في مناطق الغابات المطرية الكثيفة، كغابات الأمازون البرازيلية وغابات جنوب شرق آسيا.
فكيف بنا ونحن -على محدودية وصغر الغطاء النباتي لدينا-، نُقدمُ بجرأةٍ على تجريف بعض المساحات من المواقع الطبيعية الخضراء، من أجل إقامة مشاريع (أسمنتية) جافة بطبيعتها، في الوقت الذي نحن فيه بحاجة ماسة إلى أصغر شجرة تظهر إلى الوجود وتسر الناظرين، مما يعني تقليصاً تعسفياً متصاعدا للمساحة الشجرية، يخالف التوجه المعلن الداعي والداعم لزيادتها وتنميتها، عاكسين بفعلنا السلبي هذا ما يجب أن نقوم به من أولوية رعايتها والاحتفاء بولادتها، وهو ما يعني افتقادنا للقدرة على استيعاب البعد الحقيقي العميق لأهمية شراكتنا مع الشجرة ووجودها، ودليلاً على ضبابية فهمنا لتاريخ وملامح المكان وذاكرته ونكهته، وما تجب مراعاته من التكوينات الاستراتيجية للمكان وطبيعته التي هي سر جاذبيته، ففي كثير من بلدان الغرب والشرق يصممون المشاريع لتلائم طبيعة أصغر شجرة في المكان، بينما لدينا يقتلعون الأشجار ويعبثون بالطبيعة لتلائم تصاميم أصغر المشاريع، وكأن أشجارنا أقل حرمة وقيمة من أشجارهم!
وتجريف الأراضي واقتلاع الأشجار يحدثان بقسوة أحياناً في بعض مناطقنا السعودية، المصنفة كمحميات طبيعية خضراء، تُعد مصايف ومتنفسات سياحية -ضيقة ومحدودة- لمرتاديها من الناس، وهو وإن قدم شكلاً جديداً من أشكال المتعة والترفيه، إلا أنه وعلى نحو ما يعتبر استدعاء غير مباشر لكارثة التصحر في المستقبل! الأمر الذي سيفضي إلى طمس معالم المكان و"كارزميته" رويداً رويدا.
يحدث أحياناً ذلك في ظل صغر وقلة أعداد المتنزهات الطبيعية في المملكة، إذ حسب موقع "طقس السعودية" على شبكة الإنترنت، فإن الغابات تحتل "27.000" كيلومتر مربع من مساحة المملكة العربية السعودية، ولكنها بالطبع مساحة قليلة مُقارنة بالمساحة الصحراوية الواسعة، التي تحتل مُعظم أرجاء البلاد، فيما تغطي مساحة الغابات من مجمل مساحة المملكة الكلية ما نسبته (1.26%)، وتتركز كلها في جنوب غرب البلاد التي تعتبر المناطق السياحية الرئيسية، وبهذه النسبة الضئيلة جداً، تحتل المملكة المركز (94) على جدول الترتيب العالمي للدراسات البيئية والغابات عام 2007م، والترتيب الرابع على مستوى الوطن العربي.
هذه الأرقام والنتائج تعني أن أولوية العمل والتخطيط التنموي في مناطق الغابات والمساحات الخضراء لدينا على وجه التحديد، يجب أن يكون منحازاً إلى الشجرة التي تشكل المظلة الحيوية الخضراء للمكان، لا إلى الكتل الأسمنتية أو الحديدية أو أي شيء آخر على شاكلتها، لأن فقدان المكان لطبيعته ومقدراته ولو جزئياً، هو تغيير لنسب ومعدلات جاذبيته وسحره ومميزاته، ولن تغفر الأجيال القادمة لمن فعل ذلك مهما كانت مبرراته ودوافعه. فالله الله في الشجرة.