حديث الكراهية ضد الإسلام وتشويه صورة المسلمين وتضخيم أخطائهم وإبراز الشذوذ من تصرفاتهم وأفعالهم والتقاط المتشدد من أقوالهم أصبح – للأسف - موضوعاً شائعاً في الغرب .. ومن يتابع التقارير الصحفية عن هذا الموضوع في أوروبا وأمريكا – على اختلاف في الدرجة – تزعجه الصورة المشوهة التي تعرض بها أحوال الجاليات المهاجرة وحتى المواطنين المسلمين من أصول غربية في ذلك الجزء من العالم..
و الإعلام بكل وسائله، والتلفزيون بصفة خاصة، هو الذي ينقل إلينا الصورة الشوهاء وهو الذي يزيد من توتر المجموعات والأفراد المسلمين في الغرب ويشحن مشاعر الكراهية ضدهم ويوغر صدور المسلمين ضد المواقف المعادية لإخوانهم ورموز دينهم وثقافتهم. فهل الإعلام – الذي يقوم بهذا الدور- هو الذي يصنع الكراهية؟ أم أن دوره هو نقل الوقائع؟. سيكون من الاختزال المخل والتبسيط المراوغ أن نقرر أن الإعلام هو،وحده، المسؤول "المجَرم" في هذا كما أنه من مخالفة الحقيقة إذا قلنا إن الإعلام بريء من تهمة خلق الكراهية وزرعها في القلوب وسقاية نبتها الشيطاني في مشاعر الناس وتحمل مسؤولية وإثم نشرها وتوزيعها وترويجها .. ومن يتتبع بواعث الكراهية – بدرجاتها المختلفة وتجلياتها المتباينة – ضد الإسلام في الغرب سيجد منابعها مختلفة ومراكز إنتاجها متعددة ووسائل تبريرها وترويجها متباينة ومتشعبة ،فبعضها قديم متراكم وبعضها قديم متجدد تنشطه المصالح والأهداف المختلفة وبعضها جديد تغذيه الرغبة في التمدد والسيطرة. هناك "الفهم الكنسي" الخاطيء عن الإسلام وخطابه المؤجج لمشاعر الكراهية بحمولاتها التاريخية المتراكمة التي زاد من تشوهاتها غياب البحث العلمي المنصف.. وهذا"المحرك" تقوده رموز دينية بدوافع يختلط فيها الديني بالدنيوي ، تدغدغ مشاعر البسطاء والجهلاء وتصور الإسلام في ثوب الخطر الذي يتهدد حياتهم ويعادي حضارتهم ويقف موقف المعادي المناهض للمبتكرات الحديثة والحياة المعاصرة بكل معطياتها ، ويجد هؤلاء في الواقع المعاش صوراً خاطئة في حياة المسلمين تساعد على تزييف حقائق الإسلام ومبادئه الحاكمة. وفي الدوائر السياسية التي تدفعها المصالح و أطماع التوسع يبرز تيار يستخدم التخويف من الدين الإسلامي مبرراً لتحقيق أطماعه وتبرير مواقفه وقراراته .. وبرز هذا التيار ، في أوضح وأقبح صوره، في الولايات المتحدة الأمريكية حين قاد موجته المحافظون الجدد بصورة باتت معروفة للجميع، وكل يوم تتكشف أبعادها وزيف مرتكزاتها وحجم تضليلها .. وهناك مجموعات المصالح والضغط واللوبيات التي تستخدم المال والنفوذ لتوجيه الإساءة إلى الإسلام لصالح المشروع الصهيوني الذي يرى أن العائق الأساسي أمام تحقيق طموحاته في المنطقة هو هذا الدين وحضارته بروحها وقدرتها على احتواء الجميع واحتضان الاختلاف الإنساني الذي هو من طبيعة الأشياء فالصورة المتسامحة مع كل الأديان والعرقيات التي احتضنتها حضارة الإسلام على مر العصور لا تسمح للمشروع الصهيوني بالتمدد على خريطة تزييف الحقائق وإعادة تشكيل المنطقة ..
إذاً يمكن القول: إن مراكز متعددة وجهات مختلفة وقطاعات لها أهداف ومصالح، تبدو متعارضة حتى من المزاج العام في مجتمعات الغرب، هي التي تنتج الكراهية في صورتها المستمرة وهي التي تتذرع بالأدوات المتعددة لإيصال تأثيرها إلى الشارع حتى تخلق روحاً عامة معادية وكارهة للإسلام وخائفة من تعاليمه وروحه، .. ولا شك في أن الإعلام أحد هذه الأدوات الخطرة التي يتحكم فيها بعض منتجي الكراهية .. وخطورة الإعلام أنه الأسرع والأوضح والأبلغ في "تكثيف" الصورة وترجمتها بلغة سهلة الإدراك وصورة مباشرة لا تحتاج إلى طول تأمل ولا تقف أمامها حجج البحث المتأني ، لهذا تكون هذه الأداة- الإعلام- مشاركة بهذا المعنى في خلق الكراهية بل إن خطورتها وقوة تأثيرها تنقلانها من خانة الناقل البريء إلى موقع المنتج المحسن والمقبح للصورة.. فالإعلام ليس ناقلاً محايداً، فهو ينحاز حين يختار الأخبار ويتخذ موقفا حين ينتقي الصورة ويوجه الناس حين يلخص الأفكار ويوجه الأسئلة والتعليقات ويركز على ما يريد إبرازه من جوانب الصورة.
هذه الصورة المشوهة للإسلام وأهله تشكو منها جميع طوائف المسلمين من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب وهم محقون في ذلك لأنها تسيء إلى دينهم وتعرض حياتهم وأوطانهم للخطر بحجة الوقوف ضد أخطارهم على البشر.. لكن ماذا عن واقع صناعة الكراهية وترويجها داخل جغرافيا المجتمعات الإسلامية؟.. كيف "تنتج" بعض المراكز الدينية والتجمعات الفئوية والرموز الفكرية والنجوم الفنية والمؤسسات الإعلامية الكراهية؟.. وكيف تبثها في عقول وعواطف الناشئة؟ ..إذا كان المسلمون يشتكون من الصور "النمطية" التي يروجها الإعلام الغربي عن الإسلام فما هي الصورة "النمطية" التي يروجها الإعلام العربي (المسلم) عن بعض الجنسيات والشعوب من خلال التمثيليات والمسلسلات والمعالجات الصحفية؟.. كيف يمكن تبرير السخرية من بعض الجنسيات والتركيز على جرائمهم والتشهير بعرقهم ومتابعة أخطاء وعثرات بعض أفراده؟ ..إلى أي مدى يدرك من يسهم في هذا الاتجاه أنه يبث الكراهية ويزرع الأحقاد في النفوس ويوسع الشقاق بين شعوب أهل الملة الواحدة؟
هذا المسلك لا يعالج الأخطاء ولا يصحح المفاهيم ولا يعدل من سلوك المنحرفين وفي الوقت نفسه يحرك الضغائن ويغذي العنصرية ويزرع الكراهية في القلوب. ونسأل: أليس دور الإعلام أن يساعد على إزالة الأخطاء وسوء الفهم بين الدول والمجتمعات المسلمة ويساعد على عدم المساس بالمشترك الثابت من الدين والقيم مهما تغيرت المواقف السياسية والمصالح الاقتصادية المتغيرة؟.. إذا كانت الاختلافات الطائفية – في جانبها الديني المتأثر بتراكم الأخطاء التاريخية – يوفر "مادة" خاما لإثارة الشكوك وزيادة روح التوجس بين الشعوب فإن دور الإعلام الجاد المسؤول هو العمل على التقليل من مخاطر هذا التصوير..
الموقف الموحد ضد تشويه صورة الإسلام في الغرب موقف جيد ومسؤول لكن لا يقل عنه أهمية الالتفات إلى "الداخل" لإيقاف نبع الكراهية وإزالة المتراكم من سوء الظن وسوء الفهم بين الشعوب واحترام الاختلاف والالتزام بعدم الإساءة إلى الشعوب مهما كانت الدوافع. خرجنا، للتو، من أجواء الصيام وتهاني العيد ودعوات التسامح والتصافح فهل نبقي على ظلالها وجذوتها حية في سلوكنا وحيلتنا؟.