في زمن الدولة العباسية، دخلت أقطار وشعوب كثيرة تحت سلطانها، ونتيجة لذلك دخل كثيرون من أتباع الملل والنحل الأخرى في الإسلام، بل بقي بعضهم محتفظا بدينه، كاليهود والنصارى، مذعنا ولاءه مواطنا ضمن مواطنين آخرين.
وفي تلك الفترة كانت ساحات الحوار مفتوحة في مجالس الخلفاء والأمراء والوزراء والعلماء، ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ كانت "الرسائل" بين المثقفين والأدباء ورجال الدين منتشرة، ولم تكن منكرة.
وفي تلك الفترة حصل حوار بين رجل مسيحي يدعى "عبدالمسيح بن إسحق الكندي"، ورجل مسلم يدعى "عبدالله بن إسماعيل الهاشمي" كان قد دعا الكندي إلى اعتناق الدين الإسلامي سابقا عبر رسالة، مما جعل الكندي يرد عليه برسالة أخرى، افتتحها بالدعاء لأمير المؤمنين، ثم الشكر والثناء لعبدالله بن إسماعيل الهاشمي، لما أظهره له من وفاء ومحبة وصادق ود في دعوته له وترغيبه في الإسلام.
ثم علّق على دعوة صاحبه له بشرح مفصل وطويل، يتضمن الاختلاف بينهما كمسيحي ومسلم في فهم وحدانية الله سبحانه وتعالى، مؤكدا أن المسيحيين لا يقولون: "إن الله تبارك وتعالى كانت له صاحبة ولا أنه اتخذ ولدا ولا أنه كان له كفؤا أحد، ولا نصفُ الله عز وجل بمثل هذه الرذائل والخسائس من صفات التشبيه، وإنما جاءت هذه الشبهات لكم من قبل اليهود، حيث أرادوا كيدكم بذلك، فلفقوا هذه القصص التي يقصونها على ظهر الطريق وفي الشوارع فيتكلمون بالعظائم وبكل شنيع من القول... وكيف كان ذلك من حيلة "وهب بن منبه وعبدالله بن سلام وكعب" المعروف بالأحبار".
كان الهاشمي قد أعطى الأمان لصاحبه الكندي، في أن يتحدث بأي شيء أراد بكل حرية وأمان، فذكر الكندي موقفا جرى في مجلس أمير المؤمنين "يفترض أنه المأمون"، بحضور الهاشمي حول رجل من أجَلِ أصحاب الخليفة قيل فيه إنه يظهر الإسلام ويبطن المجوسية، فرد الخليفة بأنه يعلم ما يظهر من إسلام، وذكر عددا من خواص أصحابه، ولكنه مقتد بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر، ويخاطب الكندي صديقه الهاشمي بالقول: "ولولا أن سيدي أمير المؤمنين تكلم جهارا على رؤوس الملأ في مجلسه أجله الله فذاع الخبر بذلك ونقله الشاهد إلى الغائب، لما حكيته".
وقد أبدى أسبابا لعدم دخوله في الإسلام، كان بعضها قاسيا وفيه تجن كثير في تحليله للأحداث التاريخية، إلا أنه أكد أفضلية قريش في العرب وبني هاشم منهم على وجه الخصوص. وفي آخر الرسالة، وبعد أن شرح أمورا كثيرة في المسيحية، دعا الكندي في المقابل صديقه الهاشمي إلى اتباع المسيحية وختم رسالته بالقول: "أسأل الله أن يوفقك وإيانا على العمل الصالح بطاعته ويعصمنا من معاصيه ويشركنا مع أوليائه الذين رضي عنهم بجوده وكرمه والسلام عليك ورحمة الله وبركاته".
هذه الرسالة بين الرجلين ـ إن صحت نسبتها لهما ـ فهي مضامين أعمق مما ورد في نصوص الرسالتين، إذ يوضح الحوار بين هذين الرجلين اللذين ينتميان إلى عقيدتين مختلفتين مدى "التعايش" في القرون الخالية أثناء حكم المسلمين للجغرافيا والديموغرافيا، ومدى تقبل الآخر وتقبل الاختلاف في الأديان والطوائف والمذاهب والملل والفكر، كما توضح أيضا مدى تقبل كثير من الخلفاء في مجالسهم لهذا الاختلاف، ومحبتهم للحوار ودعمهم له على المستوى النخبوي على الأقل؛ ولهذا لم يكن "الاختلاف" خلافا بقدر ما كان تنوعا وثراء للثقافة بشكل عام، إذ كان "الذميون" يمارسون شعائرهم وطقوسهم في الدولة الإسلامية مترامية الأطراف، ولم يفرض عليهم أن يكون "اختلافهم" ثمنا لقتلهم!
لذلك يجوز أن نقارن بين تلك الفترة والفترة التي نعيشها الآن، من الإلغاء والإقصاء نتيجة لاختلاف الهوية، الذي يصل إلى القتل أحيانا، ليس بين الأديان المختلفة بل بين أتباع الدين الواحد المنتمين لطوائف مختلفة.