في البحث عن الشعر وفهمه، ومحاولة ترويضه بالكشف عن مغامرة لذيذة أغرت الشعراء، والنقاد والقراء لعبور غابة الغموض تلك وفك رموزها وتفاصيل دهشتها، ربما يفهم الشعر على أنه حياة موازية، كون شعوري يعوضنا عن كل بشاعات الواقع، ملجأ أحياناً وملاذ من أشياء لا نحبها ولا تحبنا، رؤية أقرب إلى التفسير الكلاسيكي، صيغة ابتدائية وطفولة نقدية بفهم مستهلك وممتلئ بالمتداول والمطروح.

وربما يفهم الشعر أيضاً على أنه عراك مع الحياة واصطدام بها، علاقة ضدية بامتياز، وهذه رؤية ثورية لا يمكن تعميمها، تترافق عادة مع اندفاعات الأجيال الشعرية الشابة القادمة والجديدة، الشعر في أحيان يكون أكثر تجرداً وواقعية من الواقع نفسه.

فهو يومي ومطروق ولحظي لا يعير قيمة لما هو أبعد من الواقعي والمعاش، وهذه رؤية شديدة الظلم تنزع من الشعر أهم أدواته وتفرغه من الشعورية التي كانت جذره ومنبعه، إذاً ما الذي يمكن أن نقوله للوصول إلى الشعر؟

أظن أننا بحاجة لقول لا شيء وكل شيء، جمع كل محاولات تفسير وتعريف واستكناه الشعر ورميها في البحر والبداية من جديد، أيضاً نحن بحاجة لرصد وتدقيق وتتبع كل ما قيل من تلك التعريفات والمحاولات الجادة للوصول إلى الشعر تعريفاً وحالة، فمهمة الشعر الأساسية أن يكون محيراً وغامضاً ومراوغاً، كذلك أن يكون واضحاً ومتجلياً ومتجسداً صريحاً، الشعر يشبه الحب تماماً. لغزان عجز الإنسان عن حلهما فيما هما بسيطان ومكشوفان، عجزت النظريات والأفكار والاجتهادات البشرية المتواصلة عن الإمساك بهما رغم المحاولات المستمرة منذ بداية المعرفة، هل المهمة عسيرة وصعبة لهذه الدرجة؟ هل ستستهلك الإنسانية جهودها للوصول إلى الشعر والحب؟ هل ستنتهي الحياة ولم تجب الأفكار الإنسانية عن سؤالين بسيطين حول الشعر والحب؟ حيرة جميلة ومربكة دافعة للجمال والبهجة والحياة، وقود للأفكار الجميلة والرؤى الاستثنائية للوصول إلى ما هو غير عادي وبسيط، للمس ما هو خيالي وشديد الواقعية في الوقت ذاته، في الشعر والحب تستمر ورطة الإنسان الكبيرة ومصيدته المربكة منذ فجر الحياة.

في الشعر كتابة وقراءة أيضا عليك البحث عن الكامن لا المتاح، الذهاب إلى التفاصيل لا العموميات، إشغال روحك بالأسئلة وترك الإجابات المفتوحة، رمي البذور في أرض الحياة وترك الحصاد للتاريخ، في الفن ليس كل ما هو شائع فناً، المشترك لا يفضي بالضرورة إلى التميز، لا تنتظر أن تنتج ما هو مختلف باعتمادك على ما هو محدود، انتبه إلى ما لا ينتبه له واذهب إلى المجهول والنّائي والقصيّ والموغل، اجتز دغل الكلمات وحقل الحروف بخرائط الخيال وشعلات اللهب المتقدة في عتمة رأسك، الآخرون ليسوا سوى الوهم والتهيؤ، ذاتك هي الكون، آراؤك هي الحقيقة المطلقة، كل ما سواك عادي، كل ما تقوم به استثناء، في الحياة كما في الشعر والفن، المجد للكلمات التي لا يجعلكها الوقت، الخلود للمراوغة والمخاتلة اللذيذة التي تلمع مثل نصل في ظلام الطيع من الأشياء.