يبدو أن حياة وسيرة الكاتب والمثقف الشهير عبدالله بن المقفّع ما زالت مثيرة وتدعو إلى مزيد من البحث والاستقصاء، إذ ما تزال البحوث والدراسات ترتكز على دراسة نتاجه الأدبي، وفي معرض بحثي لم أحصل على دراسة وافية تتناول بالتفصيل سيرته الثقافية.

وبغض النظر عن التهم الفكرية والسلوكية التي تلاحقه، فإن أشهرها تهمة الزندقة-وهي التي لاحقت المثقفين منذ فجر التاريخ- فإنه لا يمكن التوقف إلا عند ثقافته وفكره من خلال نتاجه الفكري والأدبي، مما يجعله جديراً بالدراسة؛ فرغم عمره القصير (36 عاماً) إلا أنه عاش حياة حافلة، حيث عاصر أواخر عصر الدولة الأموية وبدايات عصر الدولة العباسية، واستطاع أن يقترب جداً من مراكز القرار السياسي فيها من خلال عمق ثقافته وسعة اطلاعه، ولا شك أنه أسهم في إثراء الثقافة العربية من خلال ترجماته ومؤلفاته المعروفة.

ينتمي ابن المقفع إلى الثقافة الفارسية مولداً ولغة وثقافة ويدين بالزرادشتية، وكان اسمه روزبه بن دادويه حين ولد في محافظة فيروز أباد الإيرانية، إلا أنه تسمى بعبدالله وتكنّى بأبي محمد بعد أن دخل في الإسلام وأجاد اللغة العربية بالإضافة إلى الهندية واليونانية اللتين يجيدهما، واشتهر في التاريخ أن الحجاج-والي الأمويين في العراق- عاقب والدَه بالضرب حتى تقفّعت يداه؛ لأنه اختلس مالاً حين كان أحد جباة فارس.

تزخر كتب التراجم بمقتطفات من سيرته وسلوكه، حيث أسهم بشكل مباشر في دفع عجلة الثقافة العربية من خلال الكتب التي ألفها وترجمها، وهي كثيرة، من أشهرها كتاب "كليلة ودمنة" الذي ترجمه عن الهندية، وكتابي "الأدب" الصغير والكبير، وكان أحد رواد مجالس الأدب والفكر في زمن الأمويين والعباسيين، حيث عمل "كاتباً" لدى عمر بن هبيرة ومن بعده ابنه داود في عصر الدولة الأموية، وفي زمن العباسيين عمل كاتباً لدى عيسى بن علي ابن عم الخليفة الأموي أبي جعفر المنصور، وقيل إنه أسلم على يده.

وتشير بعض التراجم إلى أنه قُتل بسبب "الزندقة" إلا أن الدراسات الحديثة أثبتت أن قتله كان بسبب سياسي، حيث صاغ ابن المقفع ميثاق الأمان الشهير بين عبدالله بن علي العباسي وابن عمه الخليفة المنصور، أو ربما تدخّل في صياغته بشكل قانوني لا يجعل للمنصور أي فرصة للتنصل منه، إذ وردت في صياغة الميثاق عبارات تدينه بـ"الخلع" و"الحِل من البيعة" إذا ما أخلّ بهذا الاتفاق، فأوعز المنصور بقتله، وتشير فرضية أخرى- ذكرها جهاد فاضل- إلى أن السبب الرئيس لمقتل ابن المقفع هو "كتاب كليلة ودمنة" حيث لم يخف مضمونه "على عقل سياسي داهية مثل أبي جعفر المنصور، المؤسس الحقيقي للدولة العباسية، في مثل هذه اللعبة ذات الحدّين، لعبة الصراع بين الثقافة والسلطة" الذي استشاط غضباً حين بلغه أمر الكتاب، فأطلق عليه واليه على البصرة سفيان بن معاوية، الذي استقدمه لمحاكمته بحجة الزندقة.

ورغم موت ابن المقفع ونهايته الشنيعة إلا أن أثره لم يكن خافياً على آخرين، من أبرز مثقفي العصر العباسي ممن جاؤوا بعده، ومن أبرزهم الجاحظ وأبو العلاء المعرّي وغيرهما؛ وهنا يظهر أن اتهامه بالزندقة ليس سوى مبرر لإلغاء صوت المثقف الحر، إذ تختفي وراء هذه التهمة دهاليز الثقافة وغياهب السياسة، وهذا ما حصل مع ابن المقفع، وهو ليس الوحيد الذي انتهى إلى مثل هذا المصير في الثقافات البشرية، ويوجد غيره كثيرون يمتد بهم الزمن منذ فجر التاريخ حتى الواقع العربي والإسلامي المعاصر.