رغم مرور سبعة وأربعين عاما، على نكسة الخامس من يونيو 1967، فإن نتائجها لا تزال مائلة أمامنا، حتى يومنا هذا. فالضفة الغربية وقطاع غزة، البقية الباقية من فلسطين التاريخية، لا يزالان تحت وطأة الاحتلال. وبالمثل لا تزال مرتفعات الجولان تحت هيمنة الاحتلال الإسرائيلي. أما سيناء، التي استعادتها مصر، بموجب اتفاقية كامب ديفيد، بين مصر والكيان الغاصب، وبرعاية أميركية، فإن سيادة مصر عليها، مقننة، بموجب أحكام هذه الاتفاقية.

نعيد الحديث عن النكسة، لأسباب عدة، لعل أهمها أن ذاكرتنا التاريخية، ينبغي أن تشحذ باستمرار، للاحتفاظ بالهزائم كما تحتفظ بالانتصارات. فالاعتراف بالفشل، هو مدعاة لإعادة قراءة سياساتنا واستراتيجياتنا، بقلب مفتوح، وعيون واعية. أما التنكر لها، فإن من شأنه مراكمة عوامل التردي والضياع.

وأول ما يواجهنا، هو أن المشروع الصهيوني، كان منذ بدايته مشروع حرب، قام على تشريد الفلسطينيين واغتصاب أرضهم. ولم يمض على تأسيس هذا الكيان سوى عدة سنوات، حتى بادر عام 1956، مستغلا المواقف الغربية، تجاه تأميم قناة السويس، ليلعب الدور الرئيس في العدوان الثلاثي على مصر، في ذلك العام، الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا.

كان الصهاينة يعبرون في العلن عن استراتيجياتهم. وكان أول بند في تلك الاستراتيجيات، هو عدم تمكين أي جيش عربي، من حيازة عناصر القوة. وقد أوضح أول رئيس لحكومة إسرائيلية، موسى شاريت في مذكراته، بعد الهزيمة السياسية التي لحقت بالعدو الصهيوني، وإجباره على الانسحاب من سيناء عام 1956، أن قرارا استراتيجيا إسرائيليا، قد اتخذ بألا يمر عقد من الزمن من غير أن تشن فيه إسرائيل حربا على العرب، تقضي فيه على قوتهم العسكرية، وتحول دون تشكل حقيقي لأية قوة عسكرية عربية.

وقد جاءت الأحداث لتؤكد صحة ما جاء في مذكرات شاريت. والفاجع في الأمر أن الأوراق الإسرائيلية مكشوفة، والتحديات ماثلة.

لكن أنظمة الطوق العربية الثلاثة، مصر وسورية والأردن، تصرفت تجاه التحديات الإسرائيلية، وكأنها في مأمن منها. وكان الكيان الصهيوني، يؤكد ذلك من خلال اعتداءاته المتكررة، على سماء سورية والأردن ومدنهما. وكان آخر تلك الاعتداءات، الاعتداء على قرية السموع، الفلسطينية قبل عدة أسابيع من حرب يونيو وقد استشهد في ذلك الهجوم عشرات المدنيين.

كان الهجوم الإسرائيلي على مصر، مفاجئا، إذا ما وضعنا في الاعتبار الوعود الأميركية والسوفييتية في ذلك الوقت، بأن الكيان الصهيوني لن يكون البادئ في الهجوم على مصر. لكن ذلك لا يتسق مع ما هو معروف عن السياسات الإسرائيلية، وموقف الولايات المتحدة المتكرر، تجاه خروقاتها للقانون الدولي. وقانون الحرب هو الخديعة.

أقدمت مصر، على إغلاق مضائق تيران، العنق الشمالي الشرقي، في البحر الأحمر. وقد عنى ذلك فعليا، إغلاق الملاحة البحرية المتوجهة إلى ميناء إيلات الإسرائيلي. وقد اتخذ القرار المصري تضامنا مع سورية، والتزاما بمعاهدة الدفاع المشترك بين مصر وسورية، إثر تهديدات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بغزو العاصمة السورية، دمشق، ما لم تتوقف حكومتها عن دعم المقاومة الفلسطينية، التي تقودها آنذاك حركة فتح، بزعامة الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات. وذلك يعني، أن مصر اتخذت قرار الحرب، ولم يتبق سوى مسألة من سيكون البادئ لفي شنها.

في كل الأحوال، فإن مبادأة الكيان الصهيوني بالهجوم، ليست مبررا لأن تلحق الهزيمة بالعرب، فهناك ما يعرف بالقاموس العسكري بالهجوم المقابل، الذي يأتي ردا على العدوان. لكن المناورة والإبداع غابا عن الرد المصري على العدوان. وقد هيأ الاستعراض العسكري للقوة، في شرم الشيخ، وعدم جهوزية الرادارات والمدفعية المضادة للطيران، وبقاء الطائرات العسكرية المصرية، فوق مدرجات المطارات دون حماية، للقضاء على السلاح الجوي المصري، في النصف ساعة الأولى من الهجوم الإسرائيلي على مصر. وقد أبقى ذلك القـوات العسكرية المصرية، المحتشدة في سيناء، دون حماية من القصف الجوي الإسرائيلي، فكانت الكارثة.

في الجبهتين السورية والأردنية، تبدو الكارثة أكبر. لقد كانت المبادأة في الهجوم بأيدي جيشيهما، وقد مارسا ذلك بالفعل، لكن بحسبانها مناورة محدودة، من غير توفير مستلزماتها، وليست مواجهة عسكرية مع عدو عرف في حرب النكبة 1948، وعدوان 1956 بوحشيته وضراوة هجماته. وكان أداء الجيشين السوري والأردني، قد أوحى، بأن البلدين، لم يتصورا أنهما في وارد خوض أي حرب مع الكيان الغاصب، وأنهما لم يستعدا فعليا، لبناء جيش قوي قادر على الدفاع عن حماية حدودهما، وضمان سيادة واستقلال البلدين.

لقد مثل الكيان الصهيوني، لعقدين مضيا، قبل اندلاع حرب يونيو، تحديا دائما لسورية والأردن، وكانت مجمل البيانات التي يصدرها قادة الانقلابات المتكررة في سورية، هي الدفاع عن الكرم المغتصب. فإذا بحرب يونيو تكشف خواء تلك الادعاءات، وأن جيش سورية، لم يعد حتى تلك اللحظة للحرب مع العدو الجاثم عن حدوده، والمهدد لأمن سورية ومستقبلها، وتكشف أن دور هذا الجيش لم يكن إلا استعراضيا.

والكلام هذا يصدق إلى حد كبير، مع الجبهة الأردنية، التي كانت القدس الشرقية، في حينه ضمن تبعيتها. فمع أن العدو ظل يعلن جهارا نهارا، أن القدس الموحدة ستكون هي العاصمة الأبدية لإسرائيل، لكن الوقائع أكدت أن الجيش الأردني لم يكن جاهزا لمواجهة حقيقية مع الكيان الغاصب. لقد قضي على الطائرات الأردنية القليلة، والمحدودة العدد في الساعات الأولى من الحرب. ودخل العدو إلى الضفة الغربية، ودارت معارك غير متوازنة، بالسلاح الأبيض، انتهت بسقوط الضفة الغربية، كما سقطت من قبل شبه جزيرة سيناء، كاملة، من الأراضي المصرية، وسقط معها قطاع غزة، التابع للإدارة المصرية. ولم تتبق سوى مرتفعات الجولات، التي لم تصمد طويلا، وسقطت بأكملها في اليوم الخامس والأخير للحرب.

بالمبادرة والتخطيط السليم، والقرار الشجاع، وبالتضامن العربي، والمزاوجة بين السياسة والسلاح، وبين النفط والسياسة، بحيث تحققت ثلاثة السلاح والسياسة والنفط، تمكن العرب، في 6 أكتوبر عام 1973 من كسر خرافة الجيش الذي لا يقهر. وكان درس النكسة، قاسيا ومرا، لكنه مع ذلك يظل عبرة لمن يعتبر. وقد كشفت أهمية الإبداع والمبادرة، والمبادأة، ووضع السياسة في خدمة قرار الحرب، وأن الحروب هي في المبتدأ والخبر، صراع إرادات.