تأتي الأنا دائما أولا، ولها مظاهر كثيرة في تصدرنا للحديث، وفي طمعنا بما يملك الغير، وفي الحسد والغيرة والهجوم وإفساد نجاحات الآخرين. وهذه الأنا التي يستعيذ منها المتحدث أحيانا، يستعاذ منها لأنها هي التي أخرجت إبليس من الجنة عندما تلفظ بها وأبى أن يسجد، وإن كان عباد الشيطان يجدونها ميزة لإبليس إلا أنها رفض وتباه من المخلوق على الخالق لهذا نستعيذ من الأنا.
وهناك الأنا الإيجابية، وهي التي تبادر وتسابق في العمل والإنجاز من أجل الآخرين، وتتجاوز مصلحة الذات إلى مصلحة الجماعة، فلا يكون صاحبها أنانيا، بل غيريا، وهي بالتأكد منجز إنساني حقيقي أو قمة الإنسانية، ولها دعت جميع الديانات والأخلاق، ولكنها قد تسكن الكلمات وتهرب من الأفعال فيصدق فيها قول المتنبي:
جودُ الرّجالِ من الأيدي وَجُودُهُمُ
منَ اللّسانِ، فَلا كانوا وَلا الجُودُ
يقال إن طبيعة الصحراء هي التي فرضت على العربي الكرم رغم فقر موارده فيها، وجعلته شرط الإنسانية الأهم لديه، فلو بخل العربي على عابر السبيل بشربة ماء أو قوت مات في تنقله في الصحراء الشاسعة. ولطالما تساءلت: كيف تواطأ العرب على مذمة البخل والتباهي بالكرم حتى يومنا هذا فأبخل الناس يدعي الكرم كاذبا؛ وقد يقر بارتكاب أي ذنب ولا يقر ببخله أبدا؛ وقد يحيا جائعا معدما لا يأبه لجوعه ويهتم حين يقدم ضيف له كما استحضر الحطيئة قصة محاولة ذبح سيدنا إبراهيم لإسماعيل في قصة المعدم الكريم عندما قال:
فقال ابنه لما رآه بحيرة
أيا أبتي اذبحني ويسّر له طعما
فروّى قليلاً ثم أحجم برهة
وإن هو لم يذبح فتاه فقد همّا
وقال هيا ربّاه، ضيف ولا قرى؟
بحقك لا تحرمه تالليلة اللحما
وقد اعتمد الجاحظ في كتابه البخلاء السخرية من البخل وأهله انتصارا للعروبية مقابل الشعوبية التي تتباهى على العرب بالتفوق؛ بل قد خصص أسماء أو مدنا اشتهر أهلها بالبخل كأهل مرو في خرسان، وقد يكون مبالغا لكنه كان بارعا في تصويره!
ما أعجب قدرة الإنسان على صنع أخلاق التعامل والتكيف مع ما حوله بما يحفظ حدوده له ويمنعه من الاعتداء على حدود الآخرين!
في المجتمع القديم، كان شيخ القبيلة وأعراف القرية تحفظ هذه الحدود؛ ولكن في الحاضر مع انتقال الجميع للمدن المتحضرة تسن القوانين لذلك، ولا أدري من أول من توهم أن القوانين الحديثة مخالفة للدين وروج لذلك بحجة أن الأديان تحوي قوانينها الخاصة علما بأن الأنبياء والرسل لم يحاربوا يوما قانونا أو عرفا فيه صلاح أحوال الناس، لكن من الناس من يفعل ذلك اليوم وبضراوة، والغريب أن هؤلاء لا يعادون قوانين الظلم ولا العدوان ولا الرشوة ولا الفساد ولا حتى قوانين المرور، ولكن يعادون قوانين المجتمع المدني، فيرفضون النقابات والعقوبات التي لا يجدون لها في كتب الفقه ما يماثلها، كما يهاجمون المطالبين بحقوق المرأة ويدعون أن إعطاء الحقوق لها علمنة ما أنزل الله بها من سلطان، وأنها معاداة للإسلام مع أن نبي الرحمة أوصى بها خيرا في خطبة حجة الوداع!
منطلقات هؤلاء الهجوميين الغيرة الزائفة أو الجاهلة على الدين من جهة، أو التماهي مع التشدد الاجتماعي وبعض المتحدثين عن جهل باسم الإسلام.
لماذا أصبح ظلم الآخر مستساغا في مجتمعنا المسلم، ومتصالحا معه من منطلق أن في هذا الظلم بقاء الإسلام؟
لنأخذ مثلا فكر "داعش" التي ينضم لها عدد لا يستهان به من أبنائنا، من القاطعين المستمتعين بالرؤوس لا رؤوس الكفار، بل رأس يرى القاتل من محكمته الخاصة به وبداخله أنها تستحق القطع والتدلي بين يديه، حتى سمعنا بالخال يقتل ابن أخيه، كما كان الحال في حروب الكفر والإيمان! هذا الفكر من الذي صنعه؟ ومن الذي رسخ له؟ ومن الذي يدافع عنه متكنيا بأبي البراء أو بأبي التقى؟
الحقيقة أن هذا الفكر هو نتيجة لاندماج الأنا بالدين، وتشكل رجال يمثلون الإسلام، بفهمهم له فهم الخصم والحكم، وأول مظهر لتشكلهم أنهم يمثلون ثقافة "دونكيشوت"، فهم وحدهم المسلمون في مجتمع كافر يجب إصلاحه وتعديله بكل ما أوتوا، وليتهم يحاربون طواحين الهواء لهان الأمر إلا أنهم يحاربون بشرا مسلمين مثلهم يقتلونهم أو يقصونهم حسب رؤيتهم الدامية للتدين، ولو تكنوا بأبي البراء فالإسلام منهم براء!
المسلم الذي يخاف على المرأة من أن تخرج من بيتها ويرى أنها فتنة وبلاء ويتسامح بل يرسخ لفكرة جهاد النكاح أو المسيار أو المتعة أو الزواج العرفي، مسلم لا يفكر إلا في أناه الخاصة.
والمسلم الذي يظن أن خروج النساء للأسواق كاشفات الوجه كارثة، ولا تهتز له شعرة عندما يسمع عن امرأة ماتت، أو معنفة، أو قتيلة بسبب التعنيف بين يدي زوج أو أخ هو رجل لم يع بعد الإسلام وينسى أن الله حرم الظلم على نفسه.
يطول الحديث لو ضربنا أمثلة فقط بقي أن أقول لن نكون مسلمين حقا ما لم نتصالح بيننا قبل أن نتصالح مع آخر غير عربي أو غير مسلم وهذه أزمتنا الحقيقية.