بجميع المقاييس وعلى كافة الأصعدة، نجح تنظيم "داعش" في اكتساب صفة العولمة بشقيها المتميزين: المعاملة الوطنية وحق الدولة الأولى بالرعاية. جاء التزام "داعش" بمبدأ المعاملة الوطنية في القتل والتشريد والتنكيل لكل من يقف في طريقها دون تمييز بين الأديان، وأرسى قواعد حق الدولة الأولى برعاية الإرهاب في جميع دول العالم دون خلط بين الأوطان. ولم يبق لاكتساب عضوية "داعش" في النظام العالمي الجديد سوى تسجيل شهرتها غير الأخلاقية في سجلات حقوق الملكية الفكرية كأفضل مثل عرفه التاريخ في الفوضى الخلاقة، وتوثيق مكانته غير الإنسانية في وثائق المؤشرات الجغرافية كأكثر المنظمات عولمةً للإرهاب على وجه القرية الكونية.

كما نجح "داعش" في تطبيق قواعد العولمة بعنصريها الأساسيين: الرأسمالية والتعددية، ليصبح "داعش" أغنى جماعة إرهابية في العالم بعد استيلائها على شمال غرب العراق وسيطرتها على أصول 425 مليون دولار أميركي من البنك المركزي بالموصل. هذا في الوقت الذي انخفضت فيه هذه الأصول إلى 400 مليون دولار لدى "حزب الله"، و300 مليون دولار لدى "حركة طالبان"، و100 مليون دولار لدى "حركة الشباب الصومالية"، و55 مليون دولار في جعبة "تنظيم القاعدة"، و30 مليون دولار في محفظة "باكو حرام". وارتفعت أسهم المنظمات الإرهابية في البورصات العالمية بسبب هذه الأصول، لتتصدر أخبارها مقدمة عناوين الفضائيات وواجهة الصحف والمجلات.

وفي العولمة التعددية، حقق "داعش" ما لم يحققه العديد من التحالفات الاستراتيجية، فازداد عدد مقاتلي "داعش" إلى أكثر من 12000 مقاتل، ينتمون إلى 81 دولة حول العالم، منهم 1900 من الدول الأوروبية مثل بريطانيا وبلجيكا وفرنسا وألمانيا وبعض الدول الإسكندنافية. وتفوقوا بذلك على المنظمات الإرهابية الأخرى، حيث لا تزيد هذه التعددية على 3 دول في "حزب الله"، و7 دول في "حركة طالبان"، و8 دول في "تنظيم القاعدة"، ودولة واحدة في "حركة الشباب الصومالية" و"باكو حرام". ولم يكتف "داعش" بحشد أنصاره الإرهابيين من مختلف أرجاء المعمورة، بل حدد شروط عضويتهم في ميدان العولمة التعددية ليكونوا جميعاً من قطعان الغاب وقطاع الطرق وأنصاف البشر.

واليوم جاء "داعش" ليؤكد لنا أن مفهومه الملتوي للعولمة لا يقتصر على الرأسمالية والتعددية فقط، بل يمتد ليشمل كافة الجوانب الاجتماعية والفكرية والبيئية. فعلى المستوى الاجتماعي أطلق "داعش" فتاوى جهاد النكاح، التي أصبحت من أبرز مظاهر العولمة الملتوية، لكونها تجعل من شعوب العالَم أُسرةً واحدةً، في إطار عقد نكاح موَّحد ومتعةٍ فريدة تحت سقف واحد. هنا تميزت عولمة "داعش" عن النظام العالمي الجديد، وسبقت الدول المتقدمة والنامية معاً في تعزيز الروابط المتزايدة بين كافة الشعوب وعلى مختلف الأصعدة، تأكيداً لمواقف الإرهاب الدولي، الذي ينادي بأن العولمة ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي مفهوم ثقافي تذوب في أحكامها مقومات المجتمع.

وعلى المستوى الفكري أكد "داعش" أن مفهومه الملتوي للعولمة يشمل السيطرة على العالم بالأفكار الهدَّامة والهيمنة على الشعوب بالفتاوى الضالة، لما تحتويه من أساليب محكمة تؤدي إلى مَحْو الهُوية ونزع الخصوصية وزج الشباب في النزاعات الطائفية للتضحِية بأرواحهم كسباً لمقام الجنّة. لذا تمكنت الجماعات الإرهابية من ترويج أفكارها وفتاواها وتعظيم خسائر البشرية بشكْلٍ عام والمسلمين بشكل خاص، فأبادت في أفغانستان والصومال وسورية والعراق ونيجيريا أكثر من 540 ألف مسلم خلال 7 سنوات. وغدت هذه الأرقام شهادة إنجاز على جبين "داعش" وغيره من العصابات التي أزهقت 65 ضعف عدد الشهداء المسلمين في حروب العالم العربي مع إسرائيل خلال نصف قرن، و82 ضعف الذين استشهدوا في الحروب الصليبية، و91 ضعف الذين استشهدوا في حروب المغول والتتار.

وعلى المستوى البيئي، حولت عولمة "داعش" المواقف الدينية كلها إلى مناسبات دنيوية، وتفْريغ محتواها من القِيَم والنظُم والتشريعات، وإغراق بيئتنا العربية بالفتن والنزاعات والغزوات لخدمة مصالح الأعداء ودعم فلول البغي والبهتان. ولتعزيز مبادئ عولمته البيئية، لجأ "داعش" إلى استباحة مصالح شعوبنا الوطنية وأتلف ثقافتنا القومية وقوض معتقداتنا الدينية، مما أدى إلى استبدال البيئة الإنسانية بالفوضى الهمجية، وإزالة كافة الحواجز الثقافية لإثارة النعرات الطائفية، فانشغلنا بأدبيات "داعش" الإرهابية لتتفاقم مشاكلنا وتتعاظم مصائبنا ونتناسى أعداءنا.

بمفهومه الملتوي للعولمة نجح "داعش" في خلط الأوراق وتغليب المعتقدات وغياب الحقائق، فانبرى الإعلام الغربي متهماً أمتنا الإسلامية برعاية المنظمات الإرهابية، وبدأ يعد العدة لغزو ما تبقى من عالمنا العربي. ولكون شعوبنا العربية المعاصرة تتمتع بذاكرة ضعيفة وعزيمة محبطة وحجة واهية، أدت جميعها إلى قناعتنا المتناهية بنظرية المؤامرة المُحاكة ضدنا، أصبح هدفنا المعلن وأملنا الطموح اكتشاف العقل المدّبر لهذه المؤامرة، والتنازع على تصفيته بافتراش الشوارع وإطلاق الشعارات وصدّ المبادرات.

قبل أكثر من نصف قرن، أي منذ إنشاء جامعة الدول العربية، أطلقت دول العالم الأول مبادئ العولمة لتوفير فرص التعايش بين الشعوب وتكوين التكتلات الاقتصادية والتحالفات التجارية، فانخفضت نسبة بطالتها وانحسر فقرها وازدهرت تجارتها. واستطاعت العولمة أن تسخر الشعوب لتسعى في مناكب الأرض وتنمية أرجاء المعمورة بالعلم والمعرفة، فشطبت من قواميسها أوصاف الهوان والتخلف والاتكالية، واستبدلتها بمفردات التفوق العلمي ومبادئ تحرير التجارة البينية.

للقضاء على المفهوم الملتوي لعولمة عصابات الشر من "داعش" وغيرها، يتوجب على أمتنا العربية أن تنخرط في العولمة الاقتصادية لتؤسس شراكاتها الاستراتيجية وتحالفاتها التجارية التي هي بدون منازع أمضى سلاحاً من الأحزاب وأعظم قوةً من التعصب.