هنا: ما لم أكتبه عن وجدانيات وعواطف العودة إلى أميركا، هائماً، بعد هذا الغياب الطويل. كانت الساعة في يدي تشير إلى الواحدة ظهراً عندما كان قائد الطائرة الألمانية يعتذر عن تأخير بسيط في الهبوط، مؤكداً أنه يحتاج لدائرة كاملة فوق نيويورك قبل موعد الإذن بالهبوط. ها هي معالم مانهاتن وبروكلين وبرونكس تظهر أمامي مثل فاتنة أمام عاشقها القديم. عشرون دقيقة من البكاء والدمع الغزير المتدفق، وأنا أبداً لا أبكي الأماكن ولا المدن، وسأعترف اليوم أنني مللت كل الجغرافيا، أنا منحاز للتاريخ. لم يعد لدي أي مكان على هذه الأرض يستحق البكاء والدمع، وحين بكيت أطلال نيويورك ظهر الخامس عشر من مايو الماضي، فأنا للحقيقة أبكي ذكريات الثاني عشر من أغسطس 1986 حين وصلتها أول مرة. أبكي كل فوارق صورة الجسد الشخصي المتهالك المتغير ما بين ثلاثة عقود من أول رحلة حتى هذه الأخيرة. أبكي الرأس الذي اشتعل شيباً، وأبكي زمناً تولى وذكريات تستحيل العودة. حين وصلت أميركا لأول مرة قبل عقود ثلاثة كنت مثل "عجينة" جاهزة للتطويع والتشكيل، اليوم، أصل إليها مثل "قرص" بارد متخشب، وبقدر ما أدين لأميركا بفضل عليّ في "صفر التكوين" وبدايات التشكيل، بقدر ما تركتني بعد ذلك منبوذاً مختلفاً حين عدت للوطن والأهل والعشيرة.
كانت جريمة أميركا في حقي أنها استقبلتني من مجتمع "خاص" نمطي عرفي، وكانت جريمتي التاريخية بحق نفسي وعائلة بيتي أنني ذهبت إليها وتعلمت بها في زمن لم يكن يسمح لخيل بالشرود من أسوار الحديقة. عدت إليهم، وفي كل عام، لأكتشف أن في جعبتهم لي من الألقاب ما يوازي عدد الأعوام ما بين وصولي الأول حتى رحلتي الأخيرة: من الليبرالي إلى العلماني إلى وصف التغريب الأخير.. وأنا الذي لم يكن على الإطلاق في شيء من هذه الألقاب والنعوت. كانت جريمتي أنني وصلت لأميركا ولأول مرة في التوقيت الخطأ. كنت الضحية لأنني "العجينة" التي أرسلوها لأنها كانت ما تبقى من "طحين" القرصان الباردة المتخشبة. غداً نكمل.