كم أحسّ بغصة تكاد تخنقني وأنا أرى أطفالنا، وهم يعيشون رغم أنوفهم وطأة مشاهد القتل والعنف والدماء التي تنقلها القنوات الفضائية، وما يصلهم عبر جوالاتهم التي لا تنفك عنها صافرات "الواتس أب" ليل نهار، وهي تنقل لهم مشاهد الموت والدم المسفوح في البلدان العربية، دون أن يدركوا كنه ذلك القتال المحموم، تأتيهم بدون ضوابط، فتضعهم في حيرة من أمرهم، وحالهم سؤال كبير تمليه براءتهم "ما الذي يجري"؟ أو يجدون أنفسهم أمام برامج يقال إنها "حوارية" لكنها عبارة عن ملاسنات كلامية، تصل إلى حد الاشتباك بالأيدي، مما أدخلهم في حيرة مرّة، وأفقدهم شيئا من براءة طفولتهم، فهم لا يعرفون حقيقة ما يدور حولهم، فتكون النتيجة لبساطة عقولهم، ومحدودية تفكيرهم (ثقافة عنف، طائفية مقيتة، عصبية جاهلية)، كلها تهيؤهم للدخول مستقبلا في تيارات متصارعة، تدور في فلكهم، يخشى أن تصبح جزءا من مكونهم الثقافي، وهم يتشكلون معها يوما بعد يوم.
لكن الأشد فتكا ببراءة أطفالنا حينما تقتحم طفولتهم المبكرة، مقاطع "فيديوتيب" التي لا تلبي متطلباتهم النفسية والاجتماعية والمعرفية، بقدر ما تصنع منهم (دمى متحركة) يتحولون فيها إلى جمهور ساخر من كل شيء في حياته، جمهور ناقد لكل شيء دون أن يصنع عوامل النجاح أو الإصلاح، مقاطع فيديوتيب تلك، يتربون عبر دروسها وفي مدرستها، أن الحياة مجرد لهو ومرح وضحك، ومواقف كوميدية، ومن أراد منكم أن يختبر أطفاله فليسألهم عما يدور حولهم، سيجد أن الإجابات لا تتأخر كثيرا، كلها تشير إلى أنهم يعيشون خارج نطاق الزمن، لا يدركون أفق مستقبلهم، ولا يملكون مقاومة المؤثرات الإعلامية ومغريات برامجها، بل تتحول عند بعضهم إلى مصنع "للنجومية" دون أن يعلموا ماذا تعني النجومية؟ تستهدف عقولهم وملذاتهم، فيتحولون إلى جيل سريع التأثر بما تختلط أمامه من الإيجابيات والسلبيات دون تفريق، لأنهم لم يجدوا من يعينهم على التمييز، ويظهر ذلك جليا في ظهور انحرافات سلوكية، حتى على المستوى العقدي، وسلوكيات عنف، وتقرأ فيهم شبه تيه وحيرة، تعبر عنه حالة من غياب الأهداف والخطط من حياة أغلبهم، فتجد جيلا منهم لا يدرك قيمة الوقت، فيضيع منهم وهم يرددون "كيف نقطّع الوقت" ولا يدرك جهد وتعب من وفّر له متطلبات الحياة والترفيه، بقدر ما يظن بأن "كل شيء جاء دون تعب"، يعّبر عن ذلك لهثهم الدائم خلف شهواتهم المادية!
ولو حاول بعضنا اختبار تحّمل أبنائه للمسؤولية لوجد أنه يحمل -بكل صدق- شهادة "فشل في التربية" لما يظهر عليهم من ضعف في تحملهم للمسؤوليات، وجهلهم بهويتهم الدينية والوطنية، بدليل سرعة انسلاخ الكثير من الأطفال من هويتهم الأصلية المتعلقة بملبسهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ولا يحملون ثقافة عن أصالة مجتمعهم المسلم، ولا عن قيم عروبتهم، بقدر ما هم يُدهشون بامتلاكهم المعرفة التامة للثقافة الغربية، والسبب وراء سهولة انجرارهم خلف الثقافات المستوردة، وقوعهم تحت سطوة ما يصّدره إعلام الأفلام والبرامج الفضائية، والمقاطع التي تصلهم حتى وهم على أسرتّهم، أخضعتهم لغسيل أدمغة، نجحت بفضل تسويقها المبتكر في تلقينهم دروسا مجانية في العنف والانحرافات، وبسبب الفجوة الحاصلة بينهم وآبائهم، وبسبب عدم توافر البديل لهم من برامج إعلامية تعوضهم عما هم يسبحون في وحله من برامج مستوردة، أو محلية لكنها نسخ مقلدة لبرامج غربية.