كلنا أصبنا بالدهشة والذهول، جراء تلقينا نبأ ما حققته "داعش" من انتصارات مبهرة، في الموصل شمال العراق. حيث فر الجيش العراقي من أمامها، تاركاً خلفه عشرات الآليات العسكرية الحديثة، وخزائن من السلاح والذخيرة، وليس من المستغرب، بل أجزم بأن بينها مضادات للدبابات والدروع وصواريخ ومدافع تكتيكية حديثة. هذا عدا الـ400 مليون دولار التي تسلمتها، ولن أقول استولت عليها "داعش"، من أحد البنوك في الموصل. عدد المجموعة المهاجمة للموصل، من "داعش"، لا يتجاوز 750 مقاتلا. ماذا يعني هذا؟!
المراقب المختص، سوف يرى أن ما حدث وما يحدث أمامه في الموصل شيء مبهر، وغير قابل للتصديق؛ ولكنه حدث، ويجب تصديقه، كأمر واقع. ولكن العمى الأيديولوجي والأمية السياسية والتعصب والتزمت الطائفي، أدخلت الناس في ربكة مما حدث ويحدث أمامهم. فمثلاً الشيخ يوسف القرضاوي، هلل وكبر واعتبر ذلك ثورة سنية مباركة؛ مع كونه من مؤيدي جبهة النصرة وداعميها، وإن أي نصر لـ"داعش" سوف يعد هزيمة لجبهة النصرة، ولكن البحث عن نصر ولو وهمي زاد من تخبطه واضطراب حالته النفسية.
هذا المشهد الفنتازي الـ"داعشي" الجديد، أرى بأنه يندرج ضمن ما يقصده المثل الأميركي "Too Good to Believe" أجود من أن يصدق. أي أن معطيات ونتائج النصر الـ"داعشي" المبهرة، من إبهارها، لا تحتمل التصديق. ولكن ما حدث، شاهدناه حقيقة واقعة متمثلة على الأرض. إذاً أين يقع الخلل هنا؟ الحبكة العسكرية لسيناريو نصر "داعش" المبين؛ ضعيفة، إن لم تكن هزيلة. ولكن ما أكسبها مصداقية؛ جعلت الحليم حيرانا، هو أن توقيت تنفيذها على خشبة الواقع أتى مناسبا، من حيث أخذ يختلط على الناس، وحتى على المطلعين منهم، الحابل بالنابل، كما يقال. أصبحنا لا نعرف من يحارب من؟ ومن يحارب بالنيابة عمن؟ ومن يساند من؟ ومن يؤيد من؟ وبالتالي من يصفق لمن؟ أصبح المشهد العربي فنتازياً بكل ما تعنيه كلمة فانتازيا؛ حيث يختلط فيه الخيال بالواقع؛ والكذب بالحقيقة. إذاً ما الذي حدث بالتحديد؟
لنفهم حقيقة ما يجري أمامنا، في ظل تعمية سياسية وإعلامية محترفة ومقصودة، فما علينا، سوى قراءة نتائج الحدث، لصالح من صبت، ولمصالح من ضربت؟ في حادثة "داعش" في الموصل؛ المصالح صبت تجاه صالح "داعش" مؤقتاً، وحكومة المالكي وإيران والنظام السوري، على المدى المتوسط والطويل. ودعوني أشرح، كيف صب انتصار "داعش"، لصالح النظام السوري حالياً.
هنالك وعد غربي وأميركي بالتحديد، بتسليح المعارضة المسلحة السورية، وعلى رأسها الجيش الحر والجبهة الإسلامية؛ التي ستستفيد منها بالتالي جبهة النصرة. وهذا سيقوي جبهة المعارضة المسلحة ويطيل استمرارها في القتال، ضد الجيش السوري ولو لم تنتصر عليه. هنالك حرب دائرة في سورية؛ وهنالك نزاع مسلح في هذه الحرب، داخل جبهة المعارضة المسلحة. أصبح الجيش الحر وقوات الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة طرفا، وأصبحت "داعش" طرفا آخر مضادا للطرف الأول، حيث الاشتباكات المسلحة والثارات بين "داعش" وباقي فصائل قوى المعارضة المسلحة أشد وطأة عليها من مقاتلة الجيش السوري النظامي. إذاً فدعم الجيش الحر والجبهة الإسلامية، بالسلاح النوعي، الذي وعدت به أميركا؛ سوف يخل بالتوازن العسكري بينها وبين "داعش". وهزيمة "داعش" تعد نصرا للمعارضة المسلحة السورية؛ كونها ستركز جل اهتمامها، في مقاتلة الجيش النظامي، وفي نفس الوقت، تزيل خوف الغرب من وقوع السلاح في أيادي متطرفي "داعش"؛ ومن هنا يتم تسليحها بدون تحفظ.
إذاً ما الحل بالنسبة للنظام السوري هنا؟ الحل هو تسليح وتقوية "داعش"، حتى تتصدى لفصائل قوى المعارضة المسلحة، قبل أو عندما تحصل على سلاح نوعي؛ خاصة كون قوى المعارضة المسلحة، وعدت بمحاربة "داعش" والقضاء عليها، أثناء مقاتلتها للجيش النظامي وبعد ذلك. طبعاً لا يستطيع النظام السوري، دعم "داعش" علانية، بالمال والسلاح؛ ولكن يستطيع دعمها فقط، في فرض هدنة قتالية غير معلنة بينه وبينها؛ حتى يتفرغ كل منهما لمحاربة قوى المعارضة المسلحة. وفي حال انتصرت "داعش" على قوى المعارضة المسلحة في شرق وشمال سورية؛ فإن ذلك سيصب تلقائياً لصالح الجيش السوري؛ حيث ستنسحب قوات المعارضة المسلحة المحاصرة لدمشق وحمص ودرعا والمرتفعات المتاخمة للجولان، أو تنظم لعملية المصالحة مع النظام، كما فعل عدد من الجماعات المسلحة، وفي حال لم يبق على ساحة القتال في سورية، غير "داعش" والجيش السوري؛ فسيقف العالم، غربه قبل شرقه مع الجيش السوري؛ وهنا يحسم الجيش السوري الحرب الدائرة على أرضه، منذ أربع سنوات، لصالحه، بأسرع ما يمكن من الطرق وأقصرها.
في العراق، حكومة المالكي تواجه أزمة مصالحة مع القوى السياسية العراقية الشيعية منها والسنية؛ ومعظمها متفق على عدم السماح للمالكي، برئاسة مجلس الوزراء القادم. إذاً ففتح جبهة قتال، ولو وهمية وخلق أزمة أمنية تصب في صالح المالكي. الذي بدوره سيطالب بتأجيل تشكيل الحكومة الجديدة، وفرض الأحكام العرفية؛ الذي لم يوافقه عليه البرلمان العراقي، قبل أسبوعين؛ بحجة تعرض العراق، كل العراق، لخطر داهم من "داعش".
وبالنسبة لإيران، فهي مستفيد كبير وفعال من النصر الـ"داعشي" المبهر والمربك؛ حيث أبدت استعدادها للتدخل في العراق، وإنقاذه من براثن الإرهابيين التكفيريين، أعداء الغرب، قبل الشرق. وأوحت للمالكي بأن يطلب متطوعين لتكوين قوة شعبية موالية على نمط "الحرس الثوري الإيراني" وسيقوم الحرس الثوري الإيراني على تشكيلها وإعدادها وتدريبها؛ وتكون قوتها الضاربة في العراق. إيران الآن تطلب من أميركا والغرب التعاون والتنسيق بينها وبينهم من أجل مكافحة الإرهاب الذي أخذ خطره يهددهم بالدرجة الأولى.
إذاً فالمنتصر في جبهة الموصل؛ ليست "داعش" فقط، كما يبدو من ذلك، ولكن حتى النظام السوري والعراقي والإيراني أيضاً. إذاً فـ"داعش" لم تنتصر وإنما تركت لتنتصر؛ من أجل أن يجني ثمار نصرها؛ من تعتقد بأنها تقاتلهم. والدليل هو انسحابها المباشر بعد معركة الموصل، الوهمية، لسورية؛ ونقل كل ما غنمته من سلاح ومال، إلى قواعدها هناك. وحتى الآن لم تستخدم "داعش" أيا من السلاح الذي غنمته في العراق. بل أخذت تنسحب أكثر أمام الجيش العراقي، تاركة رفاقها من حملة السلاح، البعثيين والنقشبنديين وبعض قوى العشائر، يواجهون مصيرهم لوحدهم. وإن دخول قوات البشمركة في شمال العراق، لتمسك بعض النقاط الاستراتيجية التي تخلى عنها الجيش العراقي، وكذلك سيطرة مسلحي قبيلة شمر، على بعض المنافذ الحدودية الشمالية، التي كان يتحكم بها الجيش العراقي؛ هو جزء من خطة، عدم ترك فراغ كلي تنعم به قوات "داعش" وحلفاؤها في شمال العراق.
من كتب وأخرج هذا السيناريو الجهنمي على أرض العراق؟ هو الجنرال قاسم سليماني، رئيس الاستخبارات الإيرانية، وقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي يطلق عليه: "عين القط الإيراني"، أو كما تطلق عليه الصحافة الغربية "الجنرال الغامض". ولقد تم رصد الجنرال سليماني يتردد بين دمشق وبغداد وشمال العراق، حيث يعد ويخطط وينفذ سيناريو انتصارات "داعش" المبهرة شكلاً، ولكن في حقيقتها هي نصر مبهر، لإيران والنظامين السوري والعراقي. أصبحت انتصارات سليماني الاستخباراتية تجاري مخططات الاستخبارات الغربية والأميركية والإسرائيلية؛ حيث أخذ يظللها بمخططاته وتحركاته، ويتلاعب بها، ويحول انتصاراتها إلى هزائم، تضاف إلى انتصاراته التي عادةً ما تتكلل بنجاحات مبهرة. ولذلك فليس من المستغرب، أنه يتلقى أوامره مباشرة من المرشد أية الله خامنئي.
الجنرال سليماني من مواليد مدينة قم عام 1957م، وهو ينحدر من أصول متواضعة، من محافظة كرمان. لا يحب الظهور في الإعلام، أو الحديث عن نفسه. فهو رجل سري، بكل ما تعنيه هذه الكلمة، يدير الأحداث من خلف الكواليس، ولو لم تسجل انتصاراته باسمه؛ ويطلق عليه في دوائر صنع القرار في إيران "البطل القومي".
الجنرال سليماني، له صلة قديمة مع القاعدة، حيث إنه من خطط لخروج قياداتها من أفغانستان، أثناء الغزو الأميركي، وآواهم في إيران. وكذلك هو من أشرف على تدريب كوادر القاعدة، الفارة من باكستان وأفغانستان، وإرسالها للعراق وقبلها للبوسنة والهرسك، للقتال هناك. إذاً؛ فليس من المستغرب أن يكون الجنرال سليماني؛ وليس أبوبكر البغدادي، هو من خطط ورسم ونفذ مخطط، غزوة الموصل "المباركة" لـ"داعش". وهكذا أصبحت تدار وتحاك الحروب في منطقتنا بدرجة سرية وغامضة، إن لم أقل "قذرة"؛ حيث اختلط فيها الحابل بالنابل؛ فلا تدري من يقاتل من؟ ومن يقاتل بالنيابة عمن؟ وفي النهاية، من يتبرع لمن؟ ومن يصفق لمن؟!