صوت موهوب يتماس مع أدق تفاصيل العالم الاجتماعي، يفصح في قالب ضاحك وساخر عن مكابدات وهموم مكونات بشرية، لم تستطع الإفلات والانعتاق من قبضة الرؤية المجتمعية الظالمة، لتلك الشريحة المكبلة بقيود العادات والتقاليد المتوارثة، والجارحة لوجودها الإنساني المهمش، اسمه "مشبب" يتسلل إلى سمعك من خلال "الوسائط" فيستجلب لك لحظات وفضاءات من المتعة والكوميديا السوداء، يلامس الظواهر الشائهة، وينسج حولها عملا سرديا دراميا بنكهته الخاصة التي يملكها، ولهجته الجنوبية الغارقة في محليتها، ويستدعي أفكارا مشحونة بالطرافة والمحمولات الإيحائية، دون أن يهتك أو يجرح الذائقة الأسرية، والمقومات الاجتماعية المحافظة، ينطلق عمله في توليفة وإيماءات مطلية بالسخرية اللاذعة، والمنتزعة من عمق الحياة المعاشة، طافحة بالوجع والمرارة والرفض لكثير من الممارسات الخادعة والخاضعة لسلطة الفهم السطحي والملتبس، كقضية بعض "الرقاة" وتجاوزاتهم الفاضحة وركونهم إلى روح الصلاح والتقوى الزائفة، وانكشافهم عند الاحتكام لمغذيات ومعايير الإيمان الخالص، والتقوى الروحية الصادقة، كما راوح "مشبب" بين أساليب مختلفة في تقديم لوحاته الصوتية وتلاعبه اللفظي، وتنويعاته المستولدة من قاع الحراك الاجتماعي، واختراقه لجدار المألوف البشري، وعاداته وتراكماته ذات الطابع "الفنتازي"، فهو يستمر في قدرته على الأداء الصوتي لمجموعة من الأصوات، ليوظفها في تقديم مفارقات وإحالات ضاحكة وشديدة الدلالة والطقسية، كعادات وتقاليد "الخطوبة والزواج"، كما يلجأ "مشبب" إلى اقتحام قضايا تنم عن ذوبانه في الهم الاجتماعي وفتح مغاليقه، كمحاولة ذلك الشاب ومجاهداته في الفوز بوظيفة "جندي" وما يعانيه من لعثمة وارتباك أمام أسئلة المفاضلة، فهو يراها صعبة وتعجيزية، ينحاز "مشبب" للمهمشين والمتعبين والمحبطين، فيمسك بتلابيبهم، ويغمس صوته وتجربته في أجسادهم فيتداخل معهم ويستنطقهم، في توصيف تحليلي كاشف.

إن موهبة هذا الـ"مشبب" الذي لا أعرفه، ولا يعرفه الكثير ممن أصغى إلى حوارياته وومضاته، تستحق الالتفات إلى ما ينطوي عليه من وعي ناقد، والتقاط مدهش لكثير من المواقف الحياتية، واصطيادها من سراديب الداخل والمعاش، وتقديمها في إشارات وتجسيدات وتمثيل باسم، كما أدعوه لتكثيف نصوصه المنقوعة بعفوية الناس وبساطتهم، وانصهاره مع قضاياهم، بعد أن يحصرها داخل نص محبوك بمهارة، وبؤرة تأملية عميقة، دون مساس بالقيم العليا، أو ابتذال وسقوط في المحضور؛ كي لا يطيح بموهبته، أو ينحدر بها إلى رسم صور "كاريكتورية" باهتة، أو الوقوع فريسة لمقصلة التهريج والثرثرة، والاشتباك مع الرافضين للفرح، والكارهين لمثل هذه التجارب، التي يرون فيها قدرا من صور العيب، وتعرية خفايا المجتمع وكشف أستاره.